أنواكشوط: قصة عاصمة في خطر! (2/4)

بقلم : الدكتور محمدالسالك ابراهيم

الزمان أنفو _
على عكس اللوحة البديعة التي رسمتها الرحالة الفرنسية أوديت دي بيگودو، للنواة الأولى الوديعة التي تشكلت حولها مدينة أنواكشوط، في نهاية الجزء الأول من هذه التدوينات، نجد جوزيف كيسيل (1898-1979)، وهو طيار حربي وروائي فرنسي، يصنف أنواكشوط في سردية له بعنوان “رياح الرمال”، نُشرت سنة 1929، على أنه أسوأ مكان على الساحل، يخضع لسيطرة 15 من المجندين السنغاليين يقودهم رقيب كورسيكي عجوز، ويتخذون من حصن لگصر قلعة لهم.

أما أنطوان دي سانت إكسبيري (1900-1944)، وهو طيار مدني وكاتب فرنسي، كان -من حين لآخر- يهبط في أنواكشوط، بطائرة الآيروبوستال Aéropostale، وهي الشركة التي كانت سلف الخطوط الجوية الفرنسية الحالية، فهو بالنسبة له، مجرد موقع صغير، معزول عن كل أشكال الحياة، كأنه جزيرة ضائعة في بحر من الرمال اللامتناهية.

ويمكن فهم خلفية الموقف الذي يعبر عنه الطيارون الفرنسيون بشيء من المبالغة، بسبب معاناتهم من جراء تقشف محطة أنواكشوط الصغيرة، وشظف ظروف الحياة فيها؛ وهم الذين اعتادوا التردد على أماكن مُسرفة في التمتع بملذات الحياة، عند مرورهم في المحطات الكبرى للمستعمرات مثل كازابلانكا، وأگادير، والداخلة، وداكار.

في تلك الحقبة الاستعمارية، كتبت صحيفة “الحياة الموريتانية” La Vie Mauritanienne، التي تصدر في سينلوي، واصفة أنواكشوط بأنها “مركز استقبال ومنتجع صحي، وذلك بفضل المبادرة السعيدة للسيد ماكس بيكمال وهو المقيم الفرنسي في أنواكشوط، بخصوص تجديد وتطوير وتحسين فندق العبورgîte d’étape في تلك المحطة، وهو الإنجاز الذي تم تدشينه في 18 مارس “1950”. وتواصل الصحيفة معبرة عن ارتياحها “لأن هذا الإنجاز سيسمح للمسافرين على الطريق الإمبراطوري الأول بالحصول أخيرًا على إقامة لائقة ووجبات غذائية صحيحة” […]”فمن الآن فصاعدًا، سيُمكننا في أنواكشوط، النوم في سرير وتناول الطعام حسب الطلب”، كما ذكرت الصحيفة.

نواكشوط الاولى

وعلى أية حال، فقد كانت أنواكشوط تستعد لقلب صفحة أخرى من تاريخها. بل قد يعتبر البعض بأن تاريخ أنواكشوط إنما بدأ قبل عامين فقط من إنشائها. وذلك في عام 1956، مع صدور القانون الإطاري الذي فتح الباب أمام إستقلال الأقاليم الفرنسية في ما وراء البحار، المعروف باسم قانون الوزير الفرنسي للمستعمرات غاستون دفير (1910-1986).
ومنذ ذلك الحين، أخذت فكرة نقل عاصمة الجمهورية الفتية من مدينة سينلوي السنغالية إلى موريتانيا، طريقها إلى الإدارة، وقد تم التفاوض عليها إلى أن صدر مرسوم النقل في 24 يوليو 1957.

وإذن، فقد تم اختيار أنواكشوط لتكون عاصمة لموريتانيا، وبالتالي، سيكون من الضروري القيام بما يلزم لتكون العاصمة قادرة على استقبال الإحتفالية بمناسبة استقلال البلاد في 28 نوفمبر 1960، والإنطلاق في مهامها الجديدة كمركز سياسي وإداري لصنع القرار.

ورغم بعض التردد بدايةً، في تحديد مكان إقامة المدينة الجديدة، من بين عدة مواقع مرجحة، كان من بينها على الخصوص الموقع القديم لحامية كوبولاني، في خليج بورتانديك غير بعيد من أجريدة على بعد 30 كم شمال غرب نواكشوط؛ إضافة إلى إمكانية اختيار إقامتها على شريط الكثبان الرملية على شاطئ البحر.
لكن، في النهاية، تم اتخاذ القرار بزرع العاصمة الموريتانية بجوار قرية لگصر القديمة، حيث أظهر إحصاء للسكان بعيد الفيضان العظيم عام 1950 حوالي 500 مسكنا يقطنها آنذاك حوالي 2000 نسمة.

كان تحمس الآباء المؤسسين للدولة الموريتانية، لمشروع تشييد العاصمة في أنواكشوط، لا يكاد يوصف في تلك الفترة. وبحسب رواية الرئيس الأستاذ المختار ولد داداه (1924-2003)، فقد عُقد اجتماع لمجلس الوزراء في 12 يونيو سنة 1957 “تحت الخيمة لتوضيح عزمنا الفوري والثابت من أجل نقل عاصمتنا إلى بلدنا، وتشييدها ولو على هذه الكثبان الرملية، حيث لم يكن يوجد في ذلك الوقت سوى عدد قليل من الشجيرات المُتقزِّمَة، نصفها مدفون تحت الرمال الناعمة”.

كانت أنواكشوط في البداية عبارة عن كثبان رملية.. لكن هذه الكثبان الرملية كانت لها العديد من المزايا. فالبلدة تشكل محطة على الطريق الإمبراطوري رقم 1 بين سينلوي وأطار وتندوف. كما يعتبر المكان عمليا وقريبا من السنغال، وهو في نفس الوقت بعيد نسبيًا عن المغرب. كما تتيح البلدة انفتاحا مزدوجا على الساحل البحري وعلى المناطق الداخلية للبلاد.

بالإضافة إلى كل تلك المزايا، تبدو أنواكشوط منطقة محايدة، فهي نقطة توازن بين الأجزاء الشمالية والجنوبية من الأراضي الموريتانية.

ويذكر الحاكم الفرنسي لموريتانيا في تلك الفترة ألبير جان موراگ (1908-1976) في رسالة له بتاريخ 14 يونيو 1957، إلى المفوض السامي لأفريقيا الغربية الفرنسية في داكار، بأن أنواكشوط “تم اختياره من بين مزايا أخرى، لأنه ليس بعيدًا جدًا عن ضفة نهر السنغال، ولأن المزارعين السود لن يشعروا بالإهمال، وهو بالتالي اختيار موفق سيؤدي إلى تجنب تعكير صفو الرأي لدى العامة”.

أما في الإرشيف الشخصي لبرتراند فيسار دي فوكو (1943-؟)، وهو مدرس وكاتب ودبلوماسي فرنسي، خدم في أنواكشوط في الستينيات، فيمكن قراءة ملاحظات حول المخطط الحضري لأنواكشوط، تسير في نفس الإتجاه “فمنطقة أنواكشوط، الواقعة على الحدود بين موريتانيا البيضاء والسوداء، تعد بمناخها المعتدل للغاية، موقعًا مناسبًا لعاصمة. وحتى وإن ظلت هذه المدينة على هامش الاتجاهات الاقتصادية الرئيسية، لكنها ستكون قريبة بما يكفي من مراكز التعدين لتتمكن من لعب دورها الريادي، بدون الانشغال عن المشاكل القروية التي لاتزال هي الشغل الشاغل للسكان الموريتانيين. وهي على كل حال، ستكون عاصمة إدارية مثل نظيراتها في بلدان مختلفة، حتى ولو ظل تطورها محدودا”. ثم تستدرك الوثيقة: “وإذا قُيّض لأنواكشوط مخطط حضري جيد التصميم، فقد يمكن لها أن تصبح مدينة جميلة تفتخر بها البلاد”.

ولا شك أن مثل هذه الملاحظات تشي بحقيقة عقلية الإمبراطورية الفرنسية، التي كانت عالقة في نوع من وثنية علم الإثنولوجيا الاستعمارية، التي تحولت إلى أيديولوجيا تبنتها الدولة، حيث تقسم مستعمراتها إلى ثلاث مجموعات كبرى: مستعمرات شمال إفريقيا، ومستعمرات إفريقيا جنوب الصحراء، ومستعمرات الهند الصينية. فهذه التقسيمات وإن كانت جغرافية فهي تستند إلى خلفية “عرقية” أو مظهرية مثل “السود” و”الموريين” و”الهنود الصينيين”.
لكن تلك التقسيمات تفتقد للمرونة، وتساهم بفعالية في تجسيد حدود الهوية وإدراك الآخر، وبالتالي فهي تعمل حتمًا على صياغة وتحديد تصورات المستعمر عن الشعوب الأخرى وعن المناطق التي تخضع للاستعمار.

قاد هذا النوع من تقسيم الأقاليم الاستعمارية الأفريقية بين شمال إفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء إلى مأزق حقيقي. فهو قد خلق فراغًا جغرافيًا وهوِيَّاتيا في حالة موريتانيا، التي لم تكن تندرج بديهيا لا في الفئة الأولى (جغرافيا شمال إفريقيا)، ولا ضمن الفئة الثانية (الهوية “السوداء”).

ولما كانت قوالب التصنيف هذه، التي تعتمد غالبًا على خرائط أثنولوجية واثنوغرافية جامدة (جغرافية واجتماعية)، مصممة غالبا بين أربعة جدران في عاصمة الإمبراطورية، فقد بقيت مجرد قوالب مصطنعة لا تعكس كثافة ومرونة الفوارق والحدود والمشتركات الاجتماعية والجغرافية للمناطق التي تتعلق بها.

لم يكن ذلك الهوس النسقي والتنظيمي لدى الإمبراطوريات الاستعمارية يتمتع بالمرونة اللازمة لفهم منطقة شاسعة – مثل موريتانيا- بشكل صحيح، وهي بلا شك منطقة ظلت تتمتع بتنوع ثقافي وعرقي وجغرافي كبير.

وهكذا فقد فُرضت تصنيفات رسمية تدعم مفهوم “شمال إفريقيا” مقابل “إفريقيا جنوب الصحراء” و مفهوم “الموريين” مقابل مفهوم “السود” بطريقة حدية ومُتعجرفة. وقد تبلورت مفاهيم إثنوغرافية متصلبة، ساهمت في تشكيل وتجسيد حدود الهوية من النواحي السوسيولوجية، والجغرافية والسياسية. وأدت تلك المفاهيم إلى إنشاء تصنيفات نمطية تحيل إلى تمثلات معينة لسلاسل هرمية، واجتماعية وجغرافية داخل المناطق التي كانت خاضعة للسلطة الإستعمارية.. وتلك قصة أخرى بلا شك…

ومهما يكن من أمر، فقد بُذلت جهود متواصلة لوضع تصور أولي وتصميم مخطط لمدينة أنواكشوط منذ صدور القرار بنقل عاصمة الدولة الموريتانية الوليدة من سينلوي بالسنغال، إليها. وهكذا، فقد تم تقديم ما لا يقل عن أربع مخططات عمرانية متتالية لمدينة أنواكشوط بين عامي 1957 و 1958.

في تلك الفترة، تم وضع معيارين أساسيين لبناء العاصمة هما السرعة والاقتصاد. أما مقتضى السرعة، فهو مفهوم بالنظر لوجود تهديد سياسي خارجي قوي، كانت تجسده آنذاك الأطماع المغربية بالتوسع لبسط نفوذ المملكة نحو الأراضي الموريتانية. لذا، فقد كان من الضروري العمل على تجسيد إنجاز مادي وعمراني ملموس على الأرض يكون غير قابل للطمس.

وإلى جانب وجاهة السعي للإسراع في تشييد العاصمة، بسبب المبررات السياسية الآنفة، فقد كانت هناك أيضًا دواع اقتصادية وجيهة تملي التحرك بسرعة في ذلك الإتجاه. وكان من الواضح أن الأمر يتعلق بالفرص الواعدة التي يتيحها استغلال المناجم الضخمة من المعادن المكتشفة حديثًا آنذاك في الأجزاء الشمالية من البلاد، والتي كانت تشمل على الخصوص الحديد والنحاس والذهب.

نصوص تمت ترجمتها وإعادة صياغتها من طرف محمد السالك ولد إبراهيم، مختارة من عدة مصادر ببليوغرافية متخصصة في تاريخ أنواكشوط: أوديت دي بيگودو؛ جان روبرت بيت؛ إبراهيما أبو صال؛ عبد الودود ولد الشيخ؛ أرميل شوبلين؛ جيروم تشينال؛ إيساگا دياجانا؛ فنسنت كوفمان؛ زكريا ولد أحمد سالم؛ جوانا لوكاس؛ كاميل إيفرار؛ إيف بيدرازيني؛ وأوريلي ثينوت.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق