التعمية و الوهمية و الادعائية… عوامل تعيق المسار

في بعض الدول الإفريقية و العربية و الأسيوية و من أمريكا اللاتينية و في جزر الكاريبي  و المحيط الهندي أقدمت قيادات رشيدة و واعية، بُعيد لحظات التأسيس الأولى و بعدها و في حالك أزمات بنيوية عاشها الكثير منها، بالاستعانة من دون أي تردد أو إحساس بعقدة النقص أو الخجل، بوزراء و خبراء و مخططين و مهندسين من جنسيات مختلفة.. لسد العجز الكبير في الخبرة الفنية و التسييرية و التخطيطية للموارد البشرية و المادية في دولهم المتعثرة و لتجاوز مرحلة الرداءة والانحطاط وعدم الإلمام بقيم الدولة والمجتمع وغياب شرعية المؤسسات و تدني خطاب المسؤولين. و جدير بالذكر أن العديد من أصحاب هذه الخبرات الوافدة لم يلبثوا أن وقعوا في حب هذه البلدان ليتخذوها بملء إرادتهم موطنا أبديا بعد ما استقدموا من أقطار أكثر مدنية و أوسع خبرة و أجل تجربة و أوفر معرفة و أعظم تطورا و أبلغ توازنا. كما أن تلك القيادات التي رفضت أن تغتر بأسطورة السمو الحضاري الزائف التي ما زالت حاضرة و مسيطرة بقوة على ذهنية الكيانات المتخلفة، لم تتردد مطلقا في استحضار المربين و الموجهين و الأساتذة و الخبراء و المؤطرين في شتى المجالات و كل الاهتمامات الحيوية و الضرورية، سعيا واعيا منها إلى دفع حركة تنمية عديمة و تغيير أحوال بلدانهم السيئة وتكوين مواطنيهم فنيا وعلميا و إعدادهم لاكتساب أساليب و مهارات القيادة الرشيدة و التسيير المعقلن و التخطيط المدروس و كل سبل الحفاظ بجدارة و دراية على الموارد  و المقدرات الوطنية و للوصول من خلال كل ذلك بالنتيجة إلى إسعاد المواطنين و حمايتهم في دائرة وطن قوي، عادل و قادر على البقاء و التنافس على مضمار سباق الأمم و في عصر لا تقاس به و تعتبر الدول إلا بما تظهر أممها من نضج و قدرة على المشاركة و التألق.   و لم يكن غائبا مطلقا عن أذهان تلك الزعامات ما تعانيه بلدانهم، علاوة على كل مظاهر التخلف و البؤس، من خلافات عرقية و قبلية و طبقية مزمنة و عقائدية مربكة، و الذي كانت تفرضه، في غياب المهارات و المؤهلات، من وجوب المحاصصة داخل التشكيلات الحكومية و على رأس المؤسسات الاقتصادية و في المناصب الإدارية العامة. و لقد كان ذلك سببا آخر وجيها و مؤشرا بالغا  برر و دعم منطقية الاستعانة بقدرات ومهارات من خارج البلد في جملة هذه الشؤون، و أسس عمليا و سياسيا لتوافق شكل بداية للخروج من عنق الزجاجة. و إن من أهم القطاعات التي ركز عليها معظم تلك القيادات هي التعليم والتكوين والزراعة و المعادن و الطرق و سكك الحديد و الموانئ البحرية و النهرية و التخطيط و المالية و الطاقة و المياه و الصناعة و الإيراد و التصدير. ·        و لقد اعتمدت الهند في بداية مشوارها التنموي و الديمقراطي اللذان حفتهما مخاطر جمة أقلها سوء المجاعات و الأوبئة و النظام الطبقي المريع، على خبرات انكليزية و فرنسية و إيطالية و روسية داخل الحكومات و في المؤسسات الاقتصادية و التعليمية و في الزراعة و الطاقة و الصناعة و الشؤون القانونية. و بالطبع فإن الهند لم تلبث أن جنت من وراء ذلك كله خيرا عميما و استقرارا مضطردا و نموا سائرا. ·        و اعتمد الرئيس الإيفواري الراحل “هوفويت بوانيي” عند أول لحظات الاستقلال على الخبرات الفرنسية في كل مفاصل الدولة و استطاع بذلك أن يخلق نخبة وطنية برع أفرادها من بعد ذلك في كل المجالات و صنعوا وجها حضاريا يومها لدولتهم. ·        و ليست الثورة التي أوصلت مصر إلى أنوار المدنية و دولة الأحزاب إلا نتاج استدعاء محمد عالي لأنوار الثورة المدنية و الصناعية و الحقوقية فكانت البعثات الطلابية الشهيرة و ما صاحبها من من تدفق الخبرات في المقابل إلى مصر حتى باتت أحياء و ما زالت تعرف بأسماء الدول الغربية التي قدم منها و لم يعد هؤلاء الذين ضخوا في مصر دماء جديدة و شاركوا في تحويل وجهها إلى الحداثة و روافدها. ·        كما استعان العاهل المغربي الراحل “الحسن الثاني” هو الآخر، على الرغم من أن المغرب كان من فرط النظام الذي لم يعرفه بلدنا يوما يدعى “المخزن”، بخبرات و قيادات تنموية فرنسية و غيرها من الخبراء الذين تربطهم ببعض شعبه روابط الدم و المعتقد فاستقدم للمغرب مهارات و خبرات عالية يقارع بفضلها اليوم على حلبة العالمية. ·        و ليس السنغال ببعيد في مثل هذا الوجه حيث أسس الرئيس الراحل “ليوبولد سيدارسانغور” لمدرسة الأطر السينغالية ذات الصيت الجيد في أروقة المنظمة الأممية من خلال رفع التكلف فاستعان بالفرنسيين و اللبنانيين و غيرهم ممن طاب لهم المقام فأخذوا الجنسية. ·        و كذلك لم يتردد الزعيم الجزائري “عبد العزيز بوتفليقة” في لحظة مصارحة و مكاشفة مع شعبه أن أعلن عن رغبته في إقدام الجزائر بتجرد من أية عقد نقص على الاستعانة بالخبرات العالمية لتجاوز مرحلة الركود، و قد فعل قبله الراحل “الحبيب بورقيبة” في تونس التي أصبحت فيما بعد سلة أطر و خبراء للمنظمات الدولية و من بعده المخلوع “زين العابدين بن علي” الذي أفسد بدكتاروريته ما أسس له من انفتاح على الخبرة العالمية و ما زالت به تونس حاضرة في نادي الخبرات الأممي. ·        وفي أمريكا اللاتينية الأمثلة كثيرة لا تحصى و النتيجة كبيرة لا تخطئها العين و ما تلك الماثلة من خلال التطور المضطرد الذي يرفع وتيرة النمو و الوعي و يرسخ الديمقراطية في أذهان و ممارسات شعوب تتحضر بسرعة و تأخذ بقوة مكانها تحت الشمس إلا نتائج الانفتاح و القدرة على استيعاب مقتضياته و جني ثماره. ·        و لقد صبرت الصين على بعد جزيرة “هونكوك” عن الأحضان مائة عام حتى تسترجعها معقل خبرة عالمية في التسيير و نموذجا بارزا في الصناعة و فضاء دوليا للثقافة و الفن و خبرة مصرفية عالمية وليست فقط مجرد جزيرة من أرخبيل جزائره لا تحصى عددا إذ منها ما تغمره المياه فيزول و منها ما تطفو أرضه على حين غرة ثم تتمدد على حساب الماء و تظل في حركة تحول و تشكل مستمرة و خاضعة لمضاعفات مد و جزر دائمين. ·        و أما الحكومة العراقية فقررت في خطوة جريئة الاستعانة بخبرات أجنبية، لترتيب وبلورة إستراتيجية الموازنة الاتحادية لعام 2014 في ظل غياب القدرات و المهارات العلمية الوطنية. وعزا عندها علي الموسوي، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء إذ ذاك ألأسباب الموجبة لهذا القرار إلى الانفتاح على الخبرات العالمية للتوصل الى أفضل صياغة ممكنة لموازنة الدولة العراقية. ·        و ليست النهضة الكبيرة التي تشهدها دول الخليج و ناطحات سحابها الأطول في العالم بمعزل عن هذا التوجه الاستراتيجي. فهي اليوم معقل أكثر خبراء العالم ألمعية و أبلغهم عطاء و ابتكارا و قد وقعوا بأسمائهم على صفحة التطور و النمو الذين تعرفهما و باضطراد هذه الدول في مجملها. ·        و لم يكن أبدا الرئيس المؤسس الأستاذ “المختار ولد داداه” بأقل في ذلك من أترابه. فقد استقدم مهندسين لتخطيط و بناء العاصمة نواكشوط و مرفئها. و لم يتوانى في أول مشوار الدولة الفتية عن الاعتماد على الخبرات الأجنبية و منها في المقام الأول فرنسا التي أعطت من حينها الاستقلال لبلاده بعد أن أسمتها بمزاجها “موريتانيا” و من ثم الخبرة الصينية في الزراعة مع إصلاح هضبة “امبورييه” النموذجية لزراعة الأرز و مد العاصمة بمياه بحيرة “إدين” الجوفية. و بلغ به الأمر أن استفاد من خبرة حرمه الفرنسية الجنسية ” ماري تريز” الملقبة “مريم” التي لعبت دورا رائدا في تكوين و تثقيف و توجيه و إشراك الشباب و المرأة في الحياة السياسية و العملية… و لولا حرب الصحراء و ما جرته من اختلالات عميقة في كيان هش لكانت الأمور أحسن بشأن تكوين بناة طلائعيين يعتد اليوم بمدرستهم و في هذا المنعرج المتسم بتحديات العولمة، و لكن جرت رياح التعثر و قلة الحيلة بما لم تشتهيه مطلقا سفن البناء الجاثمة على شواطئ تغيب الخبرة عن أحواضها. إن موريتانيا المصنفة اليوم عالميا ضمن قائمة الدول الأدنى في مراتب التخلف تعاني بشدة من مضاعفات هذا التخلف و من بقايا ظلال “ماضوية” إن جاز التعبير مزمنة و مقيدة، في دائرة افتقاد صارخ إلى النخب الرصينة الواعية، المدركة و المقدرة لأدورها المحورية بكل الأبعاد و في كل الاتجاهات، و غياب شبه مطلق، يدركه الأصم الأعمى، للخبرات العلمية و الاستشارية الضرورية، و ضعف البنى التحتية القاعدية حتى لا يقال بانعدامها كليا و قد مر على استقلال البلاد أكثر من نصف قرن… و هي بكل هذا إنما تغط في سبات عميق تُعَمِرُ فيه خشخشاتُ الجاهلية كوابيسَهَا المزمنة بكامل اعتباراتها و علاماتها السلبية.. فلماذا لا تنبذ المكابرة و الادعائية المعرفية الجائرة، فتقوم في خطوة مبتكرة، جريئة، واعية و بناءة باستدعاء ما تحتاج إليه البلاد – و ما أكثره – من الخبرات الدولية العالية، المسكونة بحب العطاء و العمل و المجبولة على تقاسم التجارب العلمية و الإنسانية بتجرد كامل و تواضع استثنائي رفيع و خال من أدران النفوس الضعيفة و المسكونة، على العكس منها، بالعقد الموغلة في البدائية و المسرفة في الخرافة المقيدة، حتى تستعين بمهاراتها العالية للخروج من عنق زجاجتها الضيق الخانق. و إنه في ظل الغياب شبه المطلق لأية عوامل هيكلية للحفز “Motivation” و على النقيض من ذلك في شبه طغيان لعوامل الإعاقة و التثبيط “Handicaps et inhibition” فإنها خطوة إيجابية إن اعتُبرت منطقية و مقبولة في سجل الحلول المطلوبة لتغيير الوضع الراكد و تصحيح المسار و أيضا تحديد مصير البلد بما سيكون بها من محاربة منهجية للتعمية و الوهمية و الادعائية المتبعة من دون أن تكون ثمة قوى للتصحيح تكترث.. خطوة يجب أن تطال كل المرافق الحيوية بدء بالقطاعات الحكومية الفنية و التسييرية و الإرشادية و التعليمية، لتشمل من بعد ذلك أو بموازاته مفاصل الإدارة حتى تعم فائدتها و تظهر بوادر الأمل في التغيير الذي ما زالت تسد عينَه كلٌ أسباب الفشل و الاضمحلال الماثلة للعيان في الحضور الطاغي للارتجالية و القصور المعرفي و غياب الأهلية و تدني الكفاءة و رداءة الخطاب العملي و ضعف مفهوم الدولة وانعدام الوازعين الوطني و الأخلاقي… إذا فإن الدودة في التفاحة، و قديما قيل إنه إذا عرف السبب.. بطل العجب و إذا تم تشخيص الداء.. وجب الدواء.     الولي ولد سيدي هيبه

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: