الدكاترة و الأكاديميون… قيمة عاطلة أم طاقات معطلة؟

خبران أو هما على الأصح حدثان طبعا بجديتهما في بحر الأسبوع المنصرم مادة المشهد الإعلامي بمنشوريه الورقي و الالكتروني و مَسمُوعِه الإذاعي و مُشاهَده التلفزيوني، حيث اهتم أحدهما بشأن بالغ الأهمية في حياة البلد التنموية و صب الآخر في صميم النشاط الثقافي لبلد يفتقر في حاله الأعم إلى حراك قوي بهذين الوجهين و يعينه على الاستفاقة من بياته الثقافي المزمن في حضن الاغتراب الاختياري عن عالم التحولات من حوله.

و أما الخبر الأول فتعلق بعَقد مجموعة من الدكاترة العلميين الموريتانيين أول مؤتمر من نوعه تحت شعار “التنمية المستدامة والبيئة” شارك فيه عدد من الشخصيات العلمية المعروفة قَدِم بعضها من الخارج. و هي الندوة العلمية التي لم تحرز الصدى الذي كان من المفروض أن يقدر لها في الوسطين العمومي أولا لما له من كبير أهمية في الحراك التنموي، و العلمي ثانيا بمفهومه الشامل المتضمن البحث المرتبط بالتطبيق و الإحالة الفورية إلى مدرجات و فصول التعليم و ساحات التطبيق العملي المخبري تمهيدا لتحويله منتوجا يَعْبُر مرحلة التنظير له إلى مرحلة تطبيقه قيما و نتائج مادية ملموسة و اقتصادية مختومة بصبغة “الإضافة النوعية” التي ترفع من المستوى الجامعي في الشكل و المضمون إلى مستوى المحصول بناء على التجسيد على أرض الواقع. و ما المكاتب الدراسية و التخطيطية و المصانع و المختبرات على تنوع اهتماماتها و المعامل الكبيرة بكل تطبيقاتها و المحطات بشتى أنواعها إلا تعمل و تتطور و تضيف  بما ينتجه هؤلاء الجامعيون من فكر تخطيطي وتوجيهي و من جهد علمي تطبيقي و ميداني اعتمادا على ما نهلوا من العلوم و انطلاقا مما يزيدون نتيجة تعمقهم في بحوثهم و دراساتهم و ما تسفر عنه من بعد أعمالهم التطبيقية. هي إذا بهذه الصورة الناصعة المتحركة في الحيزين الزمني و المكاني المعادلةُ التي جعلت البلدان المتطورة و تلك السائرة في ركبها تحقق نموا متزايدا يعتمد على التخطيط و المنهجية، يرفع قيمة الوطن و درجات المواطن إلى مدارك الرفاهية المادية و التوازن النفسي. و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون لحملة الشهادات العالية من دكاترة و غيرهم الذين يوصفون بـ”عصارة الأمة” أو قادة فكرها و ربابنة سفينتها أية مكانة محفوظة يباهي بها البلد و يسعد بها المواطن و يرفع هامته و تتغنى و تزدهي بها الساحة العلمية و المعرفية و الثقافية على المستويين الداخلي و الخارجي، إلا أن تكون نتائج مستوياتهم و ما اكتنزوا بها من فياض العلم نتائج ملموسة على أرض الواقع و دافعا من التخلف إلى الرقي و لو أن ذلك يأخذ لتمامه وقتا و يقاوم مطبات و كبوات و هفوات السير التي تصحب طبيعيا كل مسار. و لكن أن تظل الجعجعة غالبة و أن يظل الطحين غائبا فذاك الأمر الذي يجب الوقوف عنده لاستجلاء الأسباب و تصحيح الأمور على قاعدة نعت البدايات و تصحيح النهايات التي اتخذتها ضمنيا و عملت بها كل البلدان المتقدمة في مضمار حلبة السباق إلى بناء كياناتها و ضمان ازدهارها و السهر على بقائها. فلا بد إذا و بالنتيجة أن يتبع هذا المؤتمر، الرائد بفكرته، الهام في مقصده على ما أعلن أن يترك بصمة عملية و إنتاجية ترفع و تدفع عمليا الفعل التنموي إلى حيث تحس و تشاهد نتائجه عضويا و شعوريا في جسم البناء و ورح الكيان و إلا فإن الأمر سيظل في دائرة ما تعرفه هذه البلاد من ذر الرماد في العيون. و جاء الخبر الثاني متقمصا في قيمته العالية تلك المحاضرة القيمة و الرصينة التي نظمها مكتب اليونسكو في نواكشوط و قدمها سعادة الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -ايسيسكو- الذي زار البلاد حاملا في مضمونه مثلا و قدوة و في جعبته بعض الاتفاقيات الثنائية التي إن استغلت بما تُلزم به من إيجابية و لم تُهدر كسابقاتها مع عديد المنظمات و الدوائر الثقافية و العلمية، قد تعين على تحريك بعض الأمور الراكدة و تشغل بعض جوانب المساحة الفكرية المغيبة. و هي المحاضرة كذلك التي أسهب خلالها المخضرم وقد رمت إليها نواكشوط بفلذات أكبادها من دكاترة و أدباء و إعلاميين و غيرهم من المهتمين بالشأن الثقافي في البلد. و استطاعت المحاضرة تحريك مياه الثقافة الراكدة و كانت بمثابة الدرس “الحلو-المر” بما أفصحت عنه في جانبها الحلو من ضرورة الاستفادة القصوى كلما سنحت الفرصة من عطاء أهل الخبرات الكبيرة و المعارف الفياضة، و في جانبها المر بما كشفت عنه من جفاف الساحة الثقافية التي أضناها غياب مثل أهل هذا الثراء و العطاء و الحيوية و الحضور المسرحي و العلمي فجاءت مسرعة حتى لا تؤاخذ نفسها بذنب الغياب في ازدواجيته و حتى تداري بالاستماع قليلا عن إمساكها المزمن عن العطاء.    و  من قائلين و لهم مبرارتهم القريبة الاستقاء من دوائر المنطق أنه: ·        غاضت بحيرة عطاء فياض نشأت بعيد الاستقلال و بأقل قدر من المؤهلات العالية لكن بإلهام منقطع النظير و توظيف استثنائي للقيم الحضارية المميزة للأمة، مقللة بذلك من ضغط الحاجة القصوى يومها إلى نخب الطلائعيين البناة في أجواء العصر و بنكهة عطائه، ·        و انطفأت شعلة فصيلة من الوزراء الذين بهروا قادة العالمين العربي و الإفريقي رغم بساطة مظهرهم و متوسط مستوياتهم المعرفية و لكن بعمق إيمانهم بدولتهم الفتية التي قامت في غياب كل مقومات الاستقلالية من حيث البنية و في وقت بالكاد انتقلت فيه من هشاشة البادية و عتمتها إلى شبه موقف حافلة على قارعة طريق بعيدة عن أي مظهر حضاري و أنواره، ·        و انخفض وهج العزة الطافحة التي واكبت الاستقلال و سنحت يومها لبروز وجه إبداعي جديد عند المواطنين المتحررين من قيود التخلف الذين أنتجوا في شغف منقطع النظير مظاهر تحول كبيرة و ·        أبرزوا قدرة فائقة على مواكبة التحولات التي تجري متلاحقة من حولهم. و مهما يكن فإن اجتماع دكاترة بصبغة العلمية لتدارس شأن التنمية أمر لا شك في إيجابيته من حيث المبدأ. و لكن أن لا يلتئم جمعهم للقصد على أساس خارطة مسبقة الإعداد و البناء و محددة الأهداف انطلاقا من تراكم ما يفترض به أن يكون مبدئيا قد حصل من الانجازات و الإخفاقات، فذاك ما يبعث على القلق بما سينتج عنه مجددا من غياب مؤكد لأية نتائج تحمل أملا بدعم الفعل التنموي بل و بالتمادي في إثقال كاهل الفشل بمزيد من التنظير المفتقد إلى الأسس العلمية و الآفاق  العملية. و أن يجتمع دكاترة و أكاديميون آخرون للاستماع فحسب، إلى تجربة مستفيضة لرجل حيوي معطاء يتحرك بوقود الإنتاج الفكري الغزير، دون أن يحفز ذلك على نفض غبار الكسل الذهني و دفع إبرة التحرك باتجاه موازاة الشهادات التي يحملونها مع قيم العطاء العلمي الذي لا شك أنهم تعلموه لتستفيد البلاد من ثمرة معارفهم و تقتدي بهم الأجيال الحاضرة و تتتبع خطاهم تلك القادمة، فإن ذلك لمحض الغرر ومدعاة أخرى للخوف من مجهول غد يحفه مثل هذا الضعف والاسترخاء عند عتبة نسيان القيم المعرفية والبعد عن العمل بها. هلا انتفضت إذا طاقاتنا الهائلة المسترخية و انتظمت في أسلاكها فعكفت على تحريك الراكد و إذابة الجامد حتى تثبت أنها و إن كانت فقط طاقات معطلة إلى حين، فإنها ليست على الإطلاق و بأي منطق ممكن قيمة عاطلة في وجه تيارات العولمة الجارفة المتربصة بالكيانات التي لا تنافس… و إن للبقاء فحسب، أم أن بعض صفوتنا تمثل ما ورد في دراسة أمريكية جديدة (دبي mbc.net انظر الرابط  اسفله) من أن الإفراط في التعلم للحصول على الشهادات العليا قد يؤدي إلى أمراض عقلية، كما أن حيازة شهادات أعلى من تلك الضرورية لمزاولة وظيفة ما، قد تسبب الاكتئاب لصاحبها فعزم على أن يخذل بلدا ما زال يتخبط في غياهب الأمية الحضرية و حاجته إليه بذلك أكثر إلحاحا في هذا المنعرج من أي وقت مضى؟

 

  الولي ولد سيدي هيبه

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: