خواطر حول صالون الولي محمذن ولد محمودن العلمي والأدبي

صدرمؤخرا كتاب تاريخي جديد لأحد المؤرخين السينغاليين المعروفين قال فيه: إن موريتانيا وجدت في تبني دولة المرابطين واعتبار الرباط قريبا من عاصمتها انواكشوط وسيلة لخلق مرجعية تاريخية لدولتها الحديثة المصطنعة، والموجودة بين قطبي جذب قويين هما المغرب والسينغال، وقد ساق المؤرخ السنغالي هذا الافتراض في إطار تسويغ ما قدمه من قرائن تفيد -حسب رأيه- بأن مهد المرابطين كان السينغال وليس موريتانيا.

والمهم عندي هنا ليس مناقشة الحقيقة التاريخية لمرجعية المرابطين أتنولوجيا، أو ثقافيا، أو جغرافيا، ومن يستحق هذه المرجعية ومن لا يستحقها، بقدر ما أريد أن ألفت الانتباه إلى حقيقتين مهمتين في هذا السياق: الحقيقة الأولى أننا فرطنا في مرجعيات -كل مرجعيات- تاريخنا الوطني فتبنتها الشعوب من حولنا شمالا وجنوبا ونحن غافلون، فعلينا ألا نلوم إلا أنفسنا إذا واجهت أجيالنا اللاحقة مشكلة انعدام ثقافة أو هوية مستقلة يتميزون بها. أما الحقيقة الثانية فهي أن تاريخ الأمم هو ما تتبناه وتدافع عنه، وهو يكتسب مشروعيته بالتقادم سواء كان قد وقع بحذافيره أم لم يقع، وكل تاريخ لا تتبناه الأمة يفقد مشروعيته ولو كان صحيحا، تماما كما تفقد الأمة مشروعيتها إذا فقدت التاريخ الذي تستمد منه مرجعيتها. إن تاريخنا ليس هو ماضينا، بل الصورة التي نتصور نحن عن ماضينا، فهو ماضي الحاضر لا ماضي الماضي، فتاريخ أي أمة هو صدى حاضرها الحي، لأنه متى حدث الانفصام بين ماضيها وحاضرها لم يعد ذلك الماضي يمثل تاريخا بالنسبة لها، وإما أن يهوي في دركات النسيان أو يتحول إلى تاريخ إنساني مشترك بين أمم مختلفة، لا يشارك إلا بنسبة ضعيفة في صياغة وجدانها التاريخي، فالأمم تحتفظ بهذا النوع من التاريخ لا في تاريخها بل في متحف تاريخها.  ولعل أقرب مثال حي على أهمية هذه الحقيقة هو الجدل الذي دارسنوات 2002-2004 في ليتوينيا التي كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي، واشترط عليها الاتحاد الأوروبي تغيير بعض مواد تاريخها وتاريخ الحربين العالميتين وما تبعهما من أحداث من مناهجها التعليمية لقبول انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي الذي يسعى لفرض هيمنة رؤيته التاريخية للأحداث. أليس التاريخ يكتبه دائما المنتصر، وكتابة تاريخ أي حرب هي آخر معركة فيها؟ لقد أتيح لي أن أحضر في مناسبات مختلفة صالون الولي محمذن ولد محمودن للثقافة والآداب في منزله بانواكشوط، كان بالنسبة لي مدرسة حرة لتلقي المعارف، فيها من أسلوب المحظرة ما تعشقه النفس من عفوية وموسوعية وتلقائية، وفيها من أسلوب المدرسة الحديثة ما يحتاجه الذهن من صرامة ومنهجية وعلمية.. كان ملتقى لتلاقح الثقافات، ومصنعا لإنتاج الأفكار، وناديا لتخريج الأذكياء، فيه من تفسير وحديث وفقه وآداب ومنطق وفنون ما يجعلك تكتسب ثقافة واسعة منتقاة بأقل جهد،  وأهم ما فيه على الإطلاق هو كونه صالونا حرا لا ينشد إلا المعرفة للمعرفة، والأدب للأدب والثقافة للثقافة. تذكرتك للإبحار في معارفه هي فكرتك ، وبقدر عفويتك يكون انسجام ما تقول مع ما تسمع ، فهو صالون لا يهدف الى تسويق أفكار معينة ولا ثقافاة موجهة وإنما أفكار تولد في لحظتها من خلال تبادل المعارف في نقطة أو موضوع هو محور النقاش لا سيد ولا مسود ولا عالم ولا متعلم ، بل الكل سواسية في الصالون تتعلم حين تسمع ما يفيدك وتعلم حين تقدم ما يفيد الآخرين .. ورغم كثرة جلساته -الممتدة سنوات طويلة- وتنوع موادها التي كان يمكن أن تشكل مادة معرفية ثرية للبلد، فإن ما كتب من جلسات هذا الصالون كان قليلا جدا، وما كتب عنها كان أقل، فقد ابتلي أغلب أبناء هذا البلد بالزهد في ثقافتهم ومعارفهم، وحلت رغبتهم في العمل محل رغبتهم في العلم، وحرصهم على التكسب محل حرصهم على الاكتساب. لقد زار انواكشوط قبل ثلاث أو أربع سنوات المستشرق الألماني المشهور ألريخ روبشتوك  (Ulrich Rebstock) الأستاذ بجامعة افريبوغ في مهمتين بحثيتين تتعلق أولاهما بعرض من الجامعة الألمانية لدعم جهود إنقاذ وطباعة موسوعة المختار ولد حامدن التاريخية، والثانية تحقيق بعض مؤلفات هذه المنطقة المتعلقة بعلم الفلك، وعرض علي خلال زيارتي له بمقر إقامته بإحدى شقق آفاركو مرافقته إلى المكتبات القريبة لاقتناء ما استجد من مؤلفات وطنية، حيث اشترى مجموعة  من الكتب رأيته ينظر باهتمام إلى أحدها هو كتاب “الشيخ ماء العينين أمراء وعلماء في مواجهة الاستعمار الأوروبي” للأستاذ الطالب اخيار بن مامينا بن الشيخ ماء العينين، فقلت له إن مؤلف هذا الكتاب من أصدقائي ويملك أكبر مكتبة شخصية في البلاد وبإمكاني أن أذهب بك إليه إن شئت، فتحمس لذلك كثيرا.. وفي بيت الطالب اخيار بتفرغ زينه استمع روبشتوك إلى مضيفه وهو يشرح له المعاناة والجهد اللذين تطلبهما تأليفه لهذا الكتاب وما لقي في سبيل جمع تاريخ ومؤلفات جده الشيخ ماء العينين التي ناهزت التسعين، فقال روبشتوك لقد أحصيت له أنا نحو 110 من المؤلفات!! لم يستطع أي منا نحن الموريتانيين أن يخفي اندهاشه من هذا الخبر، فمن يتكلم مع روبشتوك هو حفيد الشيخ ملعينين، وأنا كنت شاهدا على ما بذله الطالب اخيار من جهد عناء وأسفار، وبحث في أوساط الأسرة، وفي المكتبات الموريتانية ومختلف الخزانات المغربية طيلة سنوات عديدة لتأليف كتابه، وكان رد روبشتوك سريعا: لقد سافرت إلى انكلترا وروسيا وآمريكا ودول أخرى كثيرة لجمع شتات المعلومات المتناثرة عن بلدكم، ولقد ألفت بالألمانية موسوعة عن الأعلام الموريتانيين ضمت 10 آلاف عالم، وبعثت منها 5 نسخ إلى جامعة انواكشوط ووزارة الثقافة والهيئات البحثية في البلد، لكنني عندما جئت إلى موريتانيا وجدت أنها قد ضاعت.. وخلال الحديث استطرد روبشتوك قائلا: إنه ليس في مقدور موريتانيا أن تنافس العالم في مجال التصنيع، ولا في مجال التكنولوجيا، وليس في إمكانها أن تصبح قوة منافسة على الصعيد العسكري ولا على الصعيد الاقتصادي، لكنه في مقدورها أن تكون بلدا رائدا في مجال الثقافة لو استثمرت في هذا المجال، فهي تملك من الإرث المعرفي ومن المخطوطات العلمية والثقافية ما يؤهلها لذلك، فقد أجريت- يقول- مسحا بحثيا على المخطوطات الموريتانية في بداية الثمانينات، واطلعت على كنوز بلدكم الكثيرة في هذا المجال. لقد كان روبشتوك هنا يشير إلى مهمة بحثية قام بها في موريتانيا بين سنتي 1981 و1982، قام خلالها صحبة الأديب الشاعر أحمدو ولد عبد القادر والباحثين أحمد ولد محمد يحيى ومحمد ولد محمد الطفيل بجولة شملت كافة أنحاء موريتانيا، تمخضت عن تصوير 2600 مؤلف ومخطوط ووثيقة موريتانية تضم ما لا يحصى من النفائس العلمية. وتم إيداع نسخة من مصورات الميكروفيلم من هذا العمل الجبار آنذاك لدى مكتبة المعهد الموريتاني للبحث العلمي التي عانت خلال السنوات الأخيرة من تجاهل شبه مطلق من السلطات الرسمية الموريتانية، وربما من نهب وضياع كبيرين لا يخفف وطأة حسرتهما إلا احتفاظ الجامعة الألمانية بنسخ من هذه المكروفيلمات، بل وقيام روبشتوك وفريق من الجامعة الألمانية مؤخرا بتحويل كافة هذه المكروفيلمات إلى منتجات رقمية وتحميلها على الانترنت.. لقد قلت في نفسي مرارا: كيف لا يتحول صالون ولد محمودن إلى مجرد قصة نتحسر عليها بدورها، كيف لا نستفيد من عالم الطباعة والانترنت لصيانة هذه المَعلمة المعرفية؟ وعندما تابعت في التلفزيون هذا الصالون يخرج من جدران المنزل التي ظل حبيسا فيه لسنوات طويلة، ويقوم بتكريم منظمة تهتم بحاضرة آزوكي وتاريخ المرابطين عادت بي الذاكرة إلى ما كتبه المؤرخ السينغالي المذكور من أننا اصطنعنا مرجعيتنا المرابطية لأهداف تتعلق ببحثنا عن الاعتراف التاريخ بأحقية دولتنا في الاستقلال، وقلت: ليت هذا المؤرخ يتابع هذا الحدث، ويقرأ أكثر عن آزوكي والإمام الحضرمي والإمام المجذوب الشمسدي ليعرف أن مرجعيتنا المرابطية حقيقية وليست زائفة كما يتوهم ، أما هذا الصالون الفريد فأتمنى أن يواصل رحلة الخروج من الجدران باتجاه كل ربوع الوطن ، فعلم تحمله ظهور العيس لا بد أن يخرج من البيوت. الحسن ولد محنض

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق