دروس كورونا/ محمد الأمين محمودي

الژمان أنفو _
منذ أسابيع والعالم يعيش حالة رعب وهلع من مشرق الشمس الى مغربها، ضرب أئمة العالم فارتعدت فرائص مؤذنيه، وبدا كأن الجميع ينتظرون قدرا لم يتضح بعد، وموتا قريبا يفكر كل واحد منا في كيفيته وتوقيته، وهل انه سيكون بعد رحيل الأهل من آباء وأولاد أم أن أحدا سيلقاه بعد أن يٌنقل من يحب أمام ناظريه في حوض شاحنة تكدست فيها جثث بلا أكفان..”من أغلق عليه بابه فهو آمن” ذلكم آخر ماتوصلت اليه البشرية العاجزة،علماء الطب لاينامون وفرق الاسعاف لاتتثاءب والناس يتابعون أعداد الموتى في الشاشات كأنها تساقطات مطرية..موتى موتى ضاع العدد.. موتى موتى لم يبق أحد..

وزع كورونا عظاته على العالم فعلم الايطاليين أن ينظروا الى المهاجرين مستقبلا برحمة واحترام وان يلجموا العنصرية فقد عاشوا دور الضحية و تحولوا في نظر اوروبا الى جالبي نحس ووباء،النظرات التي طالما وزعوها على البائسين من أفارقة وعرب هاهي تطاردهم في العالم، كما قال الفيروس للعالمين إن الصين عملاق نائم وإن عليهم أن يتركوه نائما ولايوقظوه..ورغم أن بلادنا مازالت الى الآن تنتظر فرز القادمين اليها وخبايا الغد الا ان دروس كورونا قد تكون مفيدة لنا في حياة مابعد الجائحة وأهمها أن أماننا الوحيد مهما ابتعدنا لايكون الا في هذه التلال الحمراء الجرداء،فاليها عاد خلال الأسابيع الماضية الأغنياء واللصوص والمهاجرون والمتطرفون والشعراء والطلبة وغيرهم..جميعهم قرروا العودة، لاثقة في طبنا أو معداتنا أو قدرتنا على استيعابهم في حال “تكورنوا” بل إنها العودة العفوية للذات والرجوع الى ماقبل التقمص والتشكل والتقنع..أغلب الموريتانيين يوجودون اليوم هنا،يصلون معا لرفع البلاء ويتصدقون بشكل لايتخيل ..المشعوذون يرقصون على خوفنا وينعمون بجهل بعضنا،كدسوا أموالا منذ أول يوم كوروني..في هذه اللحظات يقوم جنود وأطباء ورجال اسعاف وحرس حدود بالتصدي وبشجاعة لأبشع خطر وبوسائل، الله وحده يعلم انها لن توفر لأي منهم الحماية الكافية،هنا نتوحد وهنا نتذكر اننا جسد واحد تماما كما يحدث لنا حين ينتصر المرابطون في ميادين الكرة..من دروس كورونا أيضا انه صار لزاما على السلطات التفكير في حل جذري لمن لايتقاضون رواتب شهرية من عاطلين أو مشتغلين بنظام اليومية غير المؤمن والمحمي فحظر التجوال التام لو تقرر سيكون تجويعا وحصارا لذوي هؤلاء، اذ أن جل سكان هذه البلاد يعيشون بمالديهم من مال يوما واحدا وينتظرون اليوم التالي بأفكار تحصيل جديدة لسد المسغبة الجديدة، وهكذا تتتابع الأيام..سكان الضواحي والأحياء الفقيرة يعانون ولايمكنهم شراء زاد يومين فمابالك بالتبضع لشهر كما تفعل أسر قليلة جلها نما من عرق أبناء الشعب من فلاحين وحمالة ومدرسين وأطباء وصناع..أبناء الدولة والمخزن وحدهم من يمكنهم اغلاق البيوت عليهم لشهر كامل دون الحاجة للخروج..ورغم التباين بيننا والأزمة التي تلوح نذرها الا أنني قرأت عن أشخاص يجوبون المدن والأرياف وهم يوزعون الطعام والزاد وأعرف أحدهم،وهذا الرجل قرر أن يقتسم زاد أسرته الشهري مع أسرة لايعرفها..يقول:طعام الأسرة الواحدة يكفي أسرتين وسنظل هكذا حتى يكون بمقدور معيلهم العمل وجني المال..يستحيل أن أنقل لكم القصص التي سمعتها والمشاهد التي رأيتها لكثرتها ففي النهاية ذاك درس آخر وهو أننا خيرون في الجوهر وإنما هي الأحكام المتعاقبة ظلمت ولم تستشرنا في تهميش أغلبنا وتفقيرهم بالتجهيل والاقصاء والحرمان..درس كورونا الأهم هو عودة الأسرة الى ماقبل السوشيال ميديا (خاصة في أيام ما قبل اصلاح الكابل)..جلس الرجل الى جانب زوجته وأولاده وصار يلعب بينهم كأن العالم لايموت من حوله..هل تتصورون رجلا محترما يجعل من نفسه حمارا في صالون بيته،ينهق ويركبه ابنه جيئة وذهابا والزوجة تعد الشاي مبتسمة وسط أدخنة المباخر والهواتف الصامتة ونشرة الكورونا التي ملها الجميع.يكركر الأطفال اللاهثون والجدة ترسل حبات سبحتها سعيدة بأحفادها وهم وابنها يلعبون..لم الشمل الكوروني علم الكثيرين أن يهتموا بمن حولهم،فعلوها مرغمين لكن المعتبرين منهم سيظلون على هذا النهج وسيحولون العوائق التي عاشوها الى وسائط من منطلق وعي الضرورة والبحث عن الحرية الحقيقية لا الوهمية..

في النهاية نحن بلد ككل بلاد الله رغم ضعفنا وقلة حيلتنا..ننام منذ أيام في بيوتنا ورجال أمننا يسهرون على حمايتنا والأطباء من أبنائنا ينتظرون العدو ليحاربوه بكل شرف وشجاعة تماما كما فعل الطبيب ولد زيد رحمه الله وغيره..كورونا على الأبواب فعلا لكنها أبواب لن نفتحها وإن اقتحمها كما فعل مع الأمم القوية فسيدرك الجميع أننا أمة واحدة يؤثر فيها المواطن أخاه مهما كان لونه وهي الحقيقة التي يعيشها جنودنا وضباطنا في حروبهم ولاعبونا وهم يقاتلون بأقدامهم وحجاجنا حين تقلهم الطائرة الى الحقيقة المطلقة ففي هذه الحالات تموت العرقية والقبلية والجهوية..انها لحظات وطنية تمر لكننا ننساها دائما لأن الساسة السيئين يريدون لنا نسيانها لمصالح شخصية وجشع ينتهي بأحدهم في النهاية الى مصاب بلسكري اوالضغط والقلب أو ملازم لحمية يتمنى معها لو أعاد مانهبه مقابل بنكرياس سليم أو كلية تقوم بعملها.

الرئيس غزواني، تجربتك الأولى والأصعب هي ذي، نعيشها الآن ونتمنى حقا أن تنتصر فيها لأنه انتصار سيسمح لنا جميعا بالبقاء بمنأى عن أكبر جائحة تعرفها البشرية خلال القرن

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق