قصة عاصمة في خطر! (1/4)

ترجمها وأعاد صياغتها: محمد السالك ولد إبراهيم

الزمان أنفو _

انواكشوط: قصة عاصمة في خطر! (1/4
أنواكشوط هي -بلا شك- مدينة حديثة وإن اختلف الباحثون حول أصول تسميتها التي ربما تعني باللغة الأمازيغية/الصنهاجية بئر الخشب، أو مزمار الرياح.. وقد تكون تسمية عربية، تعني “نوق الشط” أو “نيَّاق الشط”، في إشارة للإبل التي قد تشاهد وهي ترعى بالقرب من شاطئ البحر. ومع الزمن، ربما يكون الإسم قد تحور إلى انواگشوط.

ومهما يكن، فقد عُرفت أنواكشوط بداية على أنها بئر قديمة، تُنسب تقليديًا إلى مجموعتين كبيرتين من القبائل المُرابطية في موريتانيا، هما تندغه وتاشمشه. وكان يتردد عليها البدو الرحل وقطعانهم المتنقلة في أرجاء المنطقة، رغم أن مياهها بالكاد كانت صالحة للشرب بسبب الملوحة.

وقد ظلت أنواكشوط لقرون عديدة جزءاً من أراضي إمارة الترارزه، حتى قبيْل الإستقلال. ولعلها كانت في فترة معينة، بلدة يعيش بعض سكانها على صيد السمك في المحيط الأطلسي.
وفي وقت لاحق، ظهرت تدريجيا بلدة “لگصر” الحالية وبدأت تشكل نواة لمدينة أنواكشوط.

في سنة 1903، اقترح المفوض العام للحكومة الاستعمارية الفرنسية كزافييه كوبولاني (1866-1905)، إنشاء مركز عسكري في أنواكشوط، بعد أن وقَّع في شهر ديسمبر 1902 بدگانه (Podor)اتفاقية مع أمير الترارزه، دخلت بموجبها الإمارة تحت الحماية الفرنسية.
وقد تم بناء حامية عسكرية آنذاك بفضل مساكن وتحصينات جاهزة وقابلة للتفكيك استقدمت من داكار. لقد أراد الحاكم الإستعماري من أنواكشوط أن تكون مركزا للرصد والعمليات، يديره أفضل رجاله الرائد لويس أفريرجان (1862-1917).

وبالفعل كان كوبولاني، الذي ينسُب له صديقه المقرب روبير راندو، المعروف باسم روبير أرنو، هذه الجملة: “إن لقب حاكم موريتانيا هو أكثر شيء أطمح إليه في هذه الدنيا؛ ألستُ أنا في النهاية، من أعطى هذا البلد لفرنسا”، قد أصدر أوامره بإقامة سلسلة من المواقع العسكرية في موريتانيا من أجل حماية المستعمرة الفرنسية في السنغال المجاور. جدث ذلك بداية في “اسهَيْوَت الماء” على الشاطئ الشمالي لبحيرة “أركيز”، حيث سبق للحاكم الإستعماري أن استقبل في ديسمبر 1902 أعيان قبائل الموريين البيظان التي حشدت له الدعم، ثم أنشا مركزا آخر في بئر “أخروفة” بمنطقة “إگيدي” في قلب الترارزة، ثم مركزا عسكريا ثالثا في “بورتانديك” أو “اجرَيْده” على ساحل المحيط الأطلسي.

كان بناء حُصنين عسكريين في أنواكشوط عاملاً حاسمًا في تحديد مستقبل المدينة الجديدة. فقد جعلا منها محطة توقف رئيسية على “الطريق الإمبراطوري” رقم 1 ، تربط بين كل من “أندر” أو “سينلوي” و”أطار” و”تيندوف”. وهو المسار الذي أُعيدت تسميته لاحقا بـ “الطريق الفيدرالي رقم 3” في إشارة إلى شبه النظام الفيدرالي لإفريقيا الغربية الفرنسية AOF داخل الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، والذي جمع بين سنتي 1895 و 1958 ، ثماني مستعمرات فرنسية في غرب إفريقيا كانت من ضمنها موريتانيا.

باختصار، هذا ما كانت عليه في ذلك الوقت، مدينة أنواكشوط: بلدة صغيرة على بعد 7 كيلومترات من ساحل المحيط الأطلسي تضم الحصن الاستعماري، حيث تراقب مفرزة من الجنود الفرنسيين الطريق التجاري الذي يربط بين المستعمرات الفرنسية في السنغال وفي المغرب العربي. وكانت هناك قرية الأهالي “لگصر” المبنية من الطين، والتي كانت محاطًة بعدد من المخيمات أو الفرگان المنتشرة بين كثبان رملية مائلة إلى الحُمرة.
في سنة 1950، وصفت الرحالة الفرنسية أوديت دي بيگودو، بلدة “لگصر” الصغير، وكان ذلك بالتأكيد قبل الفيضان الشهير في نفس السنة، بأنه “واحة سعيدة ومزدهرة، تتناغم حياتها بانسجام مع حياة البوادي الشاسعة التي كانت هي عاصمة لها”.

لكن، يبدو أن الموقع العسكري القديم الذي بناه الرائد أفريرجان قد تم التخلي عنه بسرعة في عام 1908 بعد مقتل كوبولاني سنة 1905 في تجگجة. وقد انسحبت الحامية التي كانت في الحصن نحو المذرذره.
ووفقًا لعبد الودود ولد الشيخ، فإن أنقاض ذلك المبنى كانت لا تزال مرئية في نهاية الستينيات على بعد مائة متر تقريبا شمال برج المياه الحالي، على قمة الكثيب الرملي الكبير الذي استحوذ عليه مؤخرا الجدار الذي أقامته شركة المياه SNDE.

وفي عام 1927، تم بناء حصن عسكري جديد في لگصر، وهو الذي سيصبح مبناه- بعد ذلك بكثير- مقرا لسجن النساء والأطفال، المعروف محليا باسم “حبْس بيْلا”. وقد كان ذلك المبنى في ذلك الوقت، الوحيد الذي صمد في وجه الفيضان العظيم عام 1950، عندما غرقت أنواكشوط بمياه فيضان نهر السنغال على بعد 200 كيلومتر إلى الجنوب.
في تلك الحقبة، شكل “آمو 50” ويعني بالبولارية “الفيضان الكبير لعام 1950” مرجعية تاريخية ليس فقط بالنسبة لسكان أنواكشوط ، ولكن أيضًا لدى عموم سكان منطقة الفوتا تورو.

ويذكر إبراهيما أبو صال، مؤلف كتاب موريتانيا الجنوب “La Mauritanie du Sud”، أن ماكس بيكمال (1922-1995) المقيم الفرنسي، أو رئيس القسم الإداري لأنواكشوط في عام 1950، سبق له أن عرض عليه خلال مقابلة معه عام 1994، صورا لفيضان أنواكشوط الشهير عام 1950، وأخبره بأنهم كانوا آنذاك يستخدمون الزوارق للتجول في بلدة لگصر القديمة المنكوبة.

في تلك الحقبة، كان حصن لگصر- كما شاهدته الرحالة الفرنسية أوديت دي بيگودو- يبدو “حصنًا صغيرًا معزولًا فوق سهل آفطوط المنبسط.. كان مُبهرا رغم أنه كان عاريا.. يشبه نمْنَمَةً صحراوية نسجتها أصابع الريح فوق أديم الرمال.. كان حصنا يوحي في نفس الوقت بتأهب المحارب وتبتل الراهب.. وكان بأبراجه المشابهة، المنتفخة الجدران وذات الزوايا الكبيرة، كأنما يقف بشجاعة في مواجهة العزلة القاسية من حوله..”

نصوص ترجمها وأعاد صياغتها محمد السالك ولد إبراهيم، مختارة من عدة مصادر ببليوغرافية متخصصة في تاريخ أنواكشوط: أوديت دي بيگدو؛ جان روبرت بيتي؛ إبراهيما أبو صال؛ عبد الودود ولد الشيخ؛ أرميل شوبلين؛ جيروم تشينال؛ إيساكا دياجانا ؛ فنسنت كوفمان؛ زكريا ولد أحمد سالم؛ إيف بيدرازيني؛ أوريلي ثينوت.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق