كيف فضح صحفي استقصائي من أساءوا استخدام الجمهورية؟

كتب الاستاذ محمدالسالك ابراهيم على صفحته الشخصية:

الزمان أنفو _ “يقف الصحفي في مواجهة الكذب والافتراء وليس لديه سوى سلاح واحد، ألا وهو الحقيقة، لكن الحقيقة كاملة. أسمحوا لي أن أقدمهم إليكم.. لأنهم غير معروفين لعامة الناس.. فهم يعيشون غالبا في الظل، بعيدا عن المحاسبة والعقاب.. إنهم المفسدون “بلطجية الجمهورية”..
أقدمهم لكم كما هم في قرارة أنفسهم، وكما اكتشفتهم، بل وأحيانًا كما عانيت منهم.
بسبب هؤلاء المفسدين “بلطجية الجمهورية”، تتلاشى مئات المليارات من الأموال العامة للشعب.. وبسببهم تتفاقم الجرائم والفضائح والممارسات البشعة بكل أنواعها..
هؤلاء هم باختصار فئة محدودة من مواطني الجمهورية، وجدوا أنفسهم في لحظة معينة في مراكز القرار- فقرروا أن يسيئوا استخدام الجمهورية، وأن يستغلوا هياكلها ومواردها لإثراء أنفسهم بشكل مخجل”.

بهذا التقديم المختصر والمعبر، استهل الصحفي الفرنسي المتخصص في الإستقصاء، كتابه “رسالة مفتوحة إلى لصوص المالية”. إنه الصحفي الأسطورة جان موتالدو، المولود سنة 1941 في بلدة “ثنية الحد” بولاية تيسمسيلت بالجزائر، التي تشتهر بمحمية وطنية تضم سلسلة جبلية تكسوها غابة من أشجار الأرز المتغلغلة في المياه.

أسس الصحفي الأسطورة جان موتالدو، مدرسة متميزة في مكافحة الفساد في فرنسا، وذلك من خلال سلسلة الكتب الجريئة التي ألفها حول قضايا الفساد، وهي كتب رائعة وشيقة، أنصح الشباب بمطالعتها.. وهي كلها عبارة عن تحقيقات ميدانية تمتاز بالطرافة والابتكار، مثل كتاب “المفسدون”، وكتاب “ميتران والأربعون حرامي”، و كتاب “أرجعوا النقود! “، وكتاب “بلطجية الجمهورية- دفاتر سرية، وكتاب “نهب الذهب الفرنسي” وكتاب “لصوص الجمهورية”، وكتاب “سوق اللصوص”، وكتاب “رسالة مفتوحة إلى لصوص المالية”، إلخ..

يقول مونتالدو في مقدمة كتابه الشهير “ميتران والأربعون حرامي”، شارحا طريقته في التحقيق والوصول إلى المعلومات، بأنه كان يتسلل كل مساء إلى المقر الرئيسي للحزب الاشتراكي الفرنسي (الحاكم آنذاك) بشارع سولفرينو في باريس، ويقوم بإفراغ جميع سلات القمامة في أكياس بلاستيكية خاصة، قبل أن تصل إلى المكان فرق النظافة.. ثم يذهب بها إلى شقة خصصها لفرز وإعادة تركيب وإلصاق أجزاء الأوراق المقطعة من وثائق الحزب..
وبهذه الطريقة الغريبة، تمكن بعد أكثر من عام من الاجتهاد والمثابرة- أن يكشف بدقة أغلبية فضائح الفساد التي تورط فيها الحزب الاشتراكي الفرنسي، وأن يعيد رسم ملامحها مدعمة بالمعلومات والأرقام..
وقد أسهمت الكتب الإستقصائية التي ألفها جان مونتالدو حول فضائح وسرقات المال العام، التي قام بها الحزب الاشتراكي الفرنسي، في الإسراع بانهيار ذلك الحزب العتيد، أخلاقيا وشعبيا، خاصة بعد انتحار كل من وزير المالية في الحكومة الإشتراكية آنذاك “بيير بريكوفوا”، و”فرانسوا دي كروسوفر”، المستشار الخاص والصديق الشخصي للرئيس ميتران، اللذين أتضح بأنهما كانا يشرفان في قمة الهرم على تدبير شؤون خلية التلصص التابعة لقصر الإليزيه..

حاليا، يعيش مونتالدو مرتاح الضمير، هادئ البال.. وقد بلغت كتبه شهرة عالمية، و حققت أرقام مبيعات عالية.. ولم يتجرأ أحد -ممن تعرض لكشف فسادهم في كتبه- على رفع قضية ضده في العدالة، سوى رئيس مجلس إدارة شركة فيفندي Vivendi الشهيرة، السيد جان ماري ميسييه، الذي اشتكاه لدى العدالة بسبب ما ورد بحقه في كتابه “رسالة مفتوحة إلى لصوص المالية”.. لكن المحكمة قضت في الأخير لصالح الكاتب، بل وغرَّمت خصمه بدفع خمسة آلاف يورو كتعويض له ولناشره..

ونظرا لأهمية هذه القضايا، وتقديرا لارتباطها الثقافي بموضوع الساعة في بلادنا، وهو ملف التصدي لمحاربة الفساد ومحاسبة المفسدين، خاصة وأن الملف قد دخل بالفعل ضمن مسطرة الإجراءات القضائية، قررنا أن نقدم – في كل تدوينة- ملخصا عن أهم الكتب التي ألفها الصحفي الأسطورة جان موتالدو في هذا المجال، إسهاما متواضعا في مجال تعميق ثقافتنا حول قضايا محاربة الفساد ومحاسبة المفسدين..

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق