لا إقلاع دون ربط أحزمة الأمان

كتب محمدفال سيدي ميله:

الزمان أنفو _ لا عاصمَ للعاصمة من الغرق، ولا عاصمَ للسياسة من الشطط. عشرون محاولة لصرف مياه نواكشوط تحولت كلها، رغم الدرن والنجس، إلى جيوب المفسدين، من حكام وساسة ومثقفين، منذ باكورة النحس الثمانيني إلى أواخر العقد الثاني من الألفية الثالثة. هذا الرجس الوسِخ انتقل، بنتانته وقاذوراته، إلى السياسة فأمرضها العقودَ تلو العقود. وأخيرا يأتي “الإقلاع الاقتصادي” الغريب.. إنه، بحد ذاته، فكرة جميلة، لكننا لا نعرف، وربما لا يعرف راعي القطيع كيف لجناحيْ طائرة الاقتصاد أن يقلعا من مطار بُرَك الأوبئة، ومستنقعات القبح المدني، وعورة المنظر الدميم، ووصمة العار الإقليمي!! كيف للاقتصاد أن يقلع والعاصمة غارقة، من قعرها إلى ذروة سنامها، في وحل طين الإهمال، وبعوض السيبة، وإسهالات الرؤساء، ومراحيض الأمناء العامين!.. فهل غاب عن “شيخ القرية” أن الإقلاع يتطلب أرضية ممهدة، جافة، مُطهّرَة، ونظيفة.

تذكرت شطط السياسة، الموروث عن أوساخ المحيط الحضري القبيح، عندما سمعت من يتداولون سرا سياسيا ظل مكتوما منذ اجتماع الترويكا (المرحوم اعلي ولد محمد فال، وبيرام الداه اعبيد، ومحمد ولد بوعماتو) في فندق فوكيتس بباريس، شهر نوفمبر من سنة 2016، واتفقوا على العمل سويا على إسقاط نظام محمد ولد عبد العزيز، كل بحكم تجربته ومن موقعه: الأمني بالنسبة للأول، والشعبي/ والدولي بالنسبة للثاني، والمالي بالنسبة للثالث. في هذا الإطار تواصل بيرام الداه مع مكتب منظمة العفو الدولية المعتمد بغرب إفريقيا (دكار) ومجموعة العمل الأممي ضد الاعتقال التعسفي (حينها كان ولد غده مسجونا أريد به أن يكون الجسر المورّط والمُوَصّل إلى ولد بوعماتو)، كما كتب رسالة معروفة إلى الانتربول، مقنعا ومنبها الجميع إلى ضرورة عدم حمل مذكرة الإعتقال الدولية الصادرة بحق ولد بوعماتو على محمل الجد لأنها مجرد تصفية حسابات سياسية. وفي هذا الإطار مول ولد بوعماتو حملة بيرام بـ 170 مليون أوقية، واتفقا على أن يبقى الأمر سرا بينهما، لا يعلمه إلى هما وآحاد من قادة إيرا. غير أن الممول سأل، مؤخرا، ضيوفه الإيراويين عن المبلغ وما إذا كان المناضلون قد علموا به.. كيف يراد لعوام المناضلين أن يعلموا بسر مّا ويراد كتمانه في نفس الوقت؟ ولمن المصلحة في إفشائه؟ وكيف نريد أن نركب المرشح، الثور غير المروّض، بمجرد تمويل حملته بـ 170 مليون؟ في حين مُوّلت حملة مرشح آخر بـ 4 مليارات من أوقيتنا المسكينة؟.. السر السياسي إذا باح به صاحبه، والمدونون والفنانون السائرون في فلكه، فلأنه أريد له أن يُذاع؟ وإذا أريد له أن يُذاع فلمصلحة ما.

انفجار الترويكا بدأ بوفاة المعارض القوي اعلي ولد محمد فال، وانتهى بما نُسب لبيرام من تصريحات حول زجر غزواني له وتأكيده له أنه لا يسعى لمأمورية ثانية. والحقيقة أن أي أحد لم يقتنع بأن الرئيس زجر ضيفه وأساء إليه، فلا الأخلاق ولا التسيس يقبلان ذلك. أما أن يُحدّث الرئيس شخصا، غير شريك، عن مأمورية لم يحن الوقت بعد للحديث عنها، فأمر يستحيل منطقيا وسياسيا. إذن لمصلحة من تم تحريك هذه الشائعة؟ وهل من نية لدى البعض لإرباك المشهد القائم حاليا على التهدئة والانسجام؟..

الشطط السياسي، المتمخض عن ثقافة العاصمة-الكنيف، نلمسه أينما وقع نظرنا، فالأسرار فينا مستباحة العرض كما تشهد عليه تحقيقات الشرطة والنواب بشأن تقارير اللجنة البرلمانية، والموالي فينا لا يقبل الحوار لأنه يخسر به عطايا من لا يملك لمن لا يستحق، والمعارض فينا يبيع مواقفه بالديْن السياسي، والتاجر فينا يستورد كل سموم الصين بمرأى الجمارك ويبيعها لأبناء الترحيل وتل الزعتر وعين فربه، والدجالون يرمون بالملايين في حفلات البذخ الماجن فيما تبحث بنات الصفيح عن دمية بلهاء أو دفتر مأفون…

درن العاصمة، ورائحتها الكريهة، ومنظرها العاهر النذل، انعكس على ساكنيها (حكاما ومحكومين وساسة ومسوسين) فصارت نشاطاتهم وبرامجهم كلها إقلاع مستحيل، من وحَل كريه، دون تجفيف النجيلة من البلل ودون ربط أحزمة الأمان.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق