مشكلة الصحراء الغربية فى انتظار التنازلات

جاء قرار مجلس الأمن رقم 1429 بشأن الصحراء الغربية والذى أقره فى 30 يوليو 2002، ليجسد استمرار حالة الجمود فى هذا الملف الشائك، ويعلن فشل الحل القانونى، ويبقى الأمل فى حل سياسى يقبله الطرفان المتنازعان، المغرب وجبهة البوليساريو، ليظل الصراع دائر بين رحى الاستفتاء والحكم الذاتى وفى الحقيقة تعد مشكلة الصحراء الغربية إحدى أعقد مشكلات حق تقرير المصير التى نالت قدرا من الاهتمام والجهود الدولية لحلها لا يتناسب مع ما تحقق من تقدم وربما يعود هذا فى الأساس إلى طبيعة التعقيدات التى ترتبط بها، والتى جعلت جهود الأمم المتحدة والجهود الدبلوماسية الأخرى تتحطم أمام صخرة هذه المشكلة المعقدة وفى مقابل ذلك فإنه قد نتج عنها العديد من التأثيرات السلبية، والتداعيات على كل أطرافها لكن مع ذلك يبقى التساؤل:

ـ هل من مخرج لهذه المشكلة؟ وما هى إمكانياته وآليات الواقعية؟

جذور الأزمة:

ـ ترجع جذور أزمة الصحراء الغربية التى تبلغ مساحتها 284 ألف كيلو متر مربع إلى عام 1965 وتبلورت منصف التسعينات وقام المغرب بضم الصحراء الغربية إلى أراضيه فى عام 1976 عقب انسحاب القوات الأسبانية التى كانت تحتل المنطقة، ثم ظهرت على سطح الأجندة العربية والإفريقية اعتبارا من 27 فبراير 1976 بإعلان جبهة البوليساريو ما تتمسك بها بأنه من حقها فى جمهورية صحراوية، ثم عرفت القضية طريقها إلى أجندة المجتمع الدولى بصدور أول تقرير قانونى يتناولها عن محكمة لاهاى فى 16 أكتوبر 1975 وتوصل الطرفان إلى اتفاق يقضى بوقف إطلاق النار بينهما عام 1991 ويستمر حتى الآن وابتداء من نفس العام سعت الأمم المتحدة لإيجاد حل لتلك المشكلة، وأثمرت هذه المساعى فيما عرف باتفاق هيوستن عام 1997 ثم كلفت وزير الخارجية الأمريكى الأسبق جيمس بيكر كمبعوث شخصى للأمين العام فى مهمة لإيجاد مخرج للأزمة، وكانت مهمة تتركز فى إعداد آليات لإجراء الاستفتاء بين الصحراويين على حق تقرير المصير لكن رغم الجهود التى بذلها بيكر، إلا أنه حتى الآن لم يستطع التوصل إلى حل توفيقى يرضى جميع الأطراف وكلما حاول تطوير مقترحاته يجدها تلقى رفضا من هذا الطرف أو ذاك وفقا لاقترابها أو بعدها عن مصالحه ومتطلباته أربعة حلول: ويمكن رصد أربعة حلول طرحت فى إطار جهود الأمم المتحدة، إلا أنها لم تنجح فى إيجاد حل يرضى الطرفين المتصارعين خيار الاستفتاء: جاء خيار الاستفتاء لشعب الصحراء للاختيار ما بين حلين الأول الانضمام للمغرب والثانى تقرير الانفصال والاستقلال وتكوين دولة الصحراء الغربية المستقلة فقد تناول القرار 690 الصادر فى 29 أبريل 1991 مصادقة مجلس الأمن على مشروع السلام المقدم من الأمين العام للأمم المتحدة، والذى حاز على قبول طرفى النزاع، المغرب والبوليساريو، وعلى أساس هذا القرار وضعت الترتيبات الكاملة لتنظيم عملية الاستفتاء فى الصحراء الغربية، بدءا بدخول قرار وقف إطلاق النار بين الجانبين حيز التنفيذ وانتهاء بإعلان الاستفتاء حول عباراتى ـ نعم للاستقلال ـ والانضمام للمغرب ـ فى شهر يناير 1992، لكن خيار الاستفتاء لم يكتب هل النجاح نتيجة الصعوبات التى واجهته، فالقرار 690 نص على تشكيل لجنة ـ تحديد هوية ـ مهمتها مراجعة لوائح المقترعين على أساس السجلات التى تم تدوينها خلال آخر إحصاء سكانى نظمته الإدارة الأسبانية فى الإقليم عام 1974، وبالرغم من الصعوبات التى جعلت الاستفتاء يتعثر مرة بعد أخرى، إلا أن الأمل تجدد مرة أخرى فى مدينة هيوستن الأمريكية خلال اللقاء الذى جمع بين الأطراف المعينة بالنزاع، ونجم عنه وضع معايير دقيقة للاستفتاء، كان من المفترض أن تسمح بتنظيمه فى ديسمبر 1998 قبل أن يؤجل إلى نهاية عام 1999 لعدم تمكن لجنة الإشراف التابعة للأمم المتحدة من التوصل إلى تحديد لائحة كاملة بأسماء الذين يسمح لهم بالتصويت فى الاستفتاء لكن عاملين رئيسيين أديا مبكرا إلى تعطيل سير عملية الاستفتاء أولهما الاعتراض من جانب البوليساريو على تقرير خافيير بيريز ديكويار الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة الصادر فى 19 ديسمبر 1991 والذى تضمن خمسة معايير لتحديد هوية من يحق لهم الاقتراع وثانيها اللائحة التى تقدم بها المغرب وتضم 120 ألف أسم من ثلاث قبائل صحراوية اعتبرتها البوليساريو قبائل مغربية ليس لها علاقة بالصحراء ورفضت لجنة تحديد الهوية إدراج أسمائهم على اللوائح الانتخابية، بحجة أن المعايير التى تضمنها اتفاق هيوستن لا تنطبق عليهم إضافة إلى بعض الخلافات الإجرائية وشروطها من أجل المشاركة فى الاستفتاء ومسألة تواجد القوات المغربية فى الإقليم ودور الأمن المغربى أيضا داخل المدن الصحراوية أثناء فترة الاستفتاء ونتيجة لهذه العوامل دخلت مسألة الاستفتاء مرحلة الجمود حتى الآن، وقد أعلنت الجزائر وجبهة البوليساريو أنهما لن تقبلا عن الاستفتاء بديلا لحل هذه القضية المستمرة منذ عام 1975 وظل خيار الاستفتاء حتى الآن مجمدا الحل الثالث:ـ جاء هذا الحل الثالث، ضمن تقرير الأمين العام فى 2000/6/23 الذى عرضه على مجلس الأمن عن مشكلة الصحراء الغربية بناء على مقترح من جيمس بيكر، تقوم على منح الصحراء الغربية حكما ذاتيا واسعا تحت الإدارة المغربية بهدف إنهاء الخلاف القائم منذ 26 عاما وهذا الحل بمثابة عودة القضية لنقطة الصفر وفشل الحل القانونى، الذى يتمثل فى الاستفتاء وبالتالى برز كحل سياسى وتضمن منح الإقليم حكما ذاتيا لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات يتاح بعدها الفرصة أمام الصحراويين لتقرير مصيرهم، وقد رفضت جبهة البوليساريو هذا الاقتراح، وتضامنت معها الجزائر بينما وافق عليها المغرب وفى شرحه لتقديم الحل الثالث فالأمين العام فى تقريره أن المشكلة الأساسية هى تحديد هيئة الناخبين واعتقاد الطرفين بأن تكوين هيئة الناخبين هو الذى سيحدد مسبقا نتيجة الاستفتاء مما جعل هذا الطرف أو ذاك يمتنع عن التجاوب مع الإجراءات التى تضطلع بها البعثة فى نهاية المطاف أن تنحرف بها هيئة الناخبين لمصلحة هذا الطرف أو ذاك ويمكن القول أن مبادرة الحل الثالث لا تعطى حلا فى حقيقية الأمر، فهى لا تعنى استقلالا كاملا للصحراء أو اندماجا كاملا مع المغرب وإنما استهدفت استخراج المشكلة من مأزق الاستفتاء لكن مع ذلك، فإن هذا الحل أوجد أرضية مشتركة بين الطرفين المتنازعين على ضرورة إيجاد تسوية للمشكلة عبر الأمم المتحدة وأمينها العام ومبعوثه الشخصى وإن اختلفت مداخلها ورؤيتهما للحل الثالث وتعديلاته، فهى تمثل مدخلا مقبولا يتوقف على طريقة تنفيذه، سواء فى صيغة اتفاقيات هيوستن أو بصيغة ما اصطلح على تسميته اتفاق الإطار الذى حاول تجاوز الخلافات على تحديد من لهم الحق فى الاستفتاء من سكان الصحراء على حق تقرير المصير وقد قد الأمين العام فى شهر يوليو 2001 تقرير إلى مجلس الأمن الدولى يتضمن مقترحات جديدة، وتعديلا للحل الثالث لإنهاء مشكلة الصحراء الغربية، واحتوى التقرير على بنود تتناول إقامة شكل من أشكال الحكم المحلى لسكان الصحراء يمنحهم حق اختيار الهيئات التنفيذية والتشريعية فى إطار السيادة المغربية على الإقليم، حيث تحتفظ الرباط بحقها فى ممارسة السلطة المطلقة على العلاقات الخارجية، وتقوم بالمحافظة على السلامة الإقليمية ضد محاولات انفصالية من داخل الإقليم أو خارجه، وتنص المقترحات على أنه لا يمكن لأى من الطرفين أن يقوم من واحد بتغيير أو إلغاء وضع الصحراء الغربية وإنما يطرح وضع الصحراء على استفتاء للناخبين المؤهلين فى تاريخ يتفق عليه الطرفان خلال فترة السنوات الخمس التى تلى اتخاذ القرارات الأولية لتنفيذ هذا الاتفاق ـ وفى الوقت الذى أبدت المغرب تأييده لمقترحات الأمين العام حول الحل الثالث باعتبارها تتعامل لأول مرة مع موضوع الصحراء تحت مظلة السيادة المغربية على الإقليم، فإن جبهة البوليساريو التى تطالب منذ قيامها فى 1973 باستقلال الصحراء الغربية، عارضت المقترحات الجديدة وطالبت من الأمم المتحدة عدم التنصل من التزاماتها بالمضى قدما فى إجراء الاستفتاء الحل الرابع:ـ ظهر هذا الجدل فى تقرير الأمين العام فى فبراير 2002 والذى طرح فيه فكرة تقسيم الصحراء الغربية بين المغرب والبوليساريو بحيث يظل المغرب يمارس سيادته على شمال الصحراء الغربية فى ما يسمى بإقليم الساقية الحمراء فيما تبسط جبهة البوليساريو سيادتها على إقليم وادى الذهب الجنوبى، وقد سارعت المغرب بالرفض القاطع لذلك الاقتراح وحشدت قواتها الدبلوماسية والإعلامية لتأكيد الرفض واتهم العاهل المغربى فى شهر مارس 2002 الجزائر بأن لها أطماعا إقليمية فى الصحراء المغربية أما الجزائر فقد رحبت بهذا الاقتراح، وقرر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة فى سابقة تعد الأولى من نوعها الحضور شخصيا إلى احتفالات تخليد ذكرى تأسيس جبهة البوليساريو فى تندوف بالجزائر وقدم بوتفليقة بذلك إشارة واضحة لدعم بلاده القوى لجبهة البوليساريو التى تتخذ من تندوف قاعدة لها، فى المقابل قام العاهل المغربى الملك محمد السادس فى شهر مارس 2002 بجولة فى مدينتى العيون والداخلة، وهما من كبريات مدن الصحراء وهى الزيارة الثانية من نوعها فى غضون أربعة أشهر وترأس لأول مرة بمدينة الداخلة مجلسا وزاريا تمت المصادقة فيه على مشاريع قوانين تهم تنظيم الانتخابات التشريعية بالمغرب وضمنه الصحراء الغربية فى سبتمبر وقد بث التليفزيون المغربى خطابا له أكد فيه على السيادة على الصحراء الغربية، وقال أن بلاده لن تفرط فى شبر واحد من منطقة الصحراء وأنه لا يعترف بالكيانات الاصطناعية وأضاف أن بلاده عندما قبلت التفاوض مع جبهة البوليساريو عام 2001، فإن هذا كان بمقتضى خطة سلام اقترحتها الأمم المتحدة لإيجاد حل للنزاع فى إطار سيادة المغرب على الإقليم وليس انفصاله، وقد انتقدت وسائل إعلام جزائرية هذه الزيارة بشدة ووصفتها الجبهة الاستفزازية وبأنها إعلان حرب على الشرعية الدولية ونلاحظ أن تقرير الأمين العام فى 19 فبراير 2002 تضمن أيضا إلى جانب خيار التقسيم ثلاثة مقترحات أخرى ـ أن يفرض مجلس الأمن شروطا لتقرير مصير الإقليم، منح المنطقة شبه حكم ذاتى فى إطار المغرب، سحب بعثة الأمم المتحدة من الصحراء الغربية وقد وزعت البعثة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة فى 23 أبريل عام 2002 توصية تتبنى فيه اتفاق الإطار ـ(حكم ذاتى فى إطار السيادة المغربية)ـ مع إدخال تعديلات عليه، كان جيمس بيكر قد وعد بها مجلس الأمن فى حالة مصادقة المجلس على هذا الخيار واتخذت الجزائر موقفا رافضا لهذا المشروع وجاء ذلك فى رسالة بعث بها السفير عبد الله بأعلى إلى سيرجى لافروف رئيس مجلس الأمن وعللت رفضها بالآتى:ـ ـ المشروع يتجاهل عن قصد نظرة الغالبية الساحقة المعبر عنها فى مناقشات مجلس الأمن لدعم مخطط التسوية، والخيار الأول الوارد فى تقرير الأمين العام يوم 2002/2/19 بالإضافة إلى ذلك فإن المشروع يزعم عن خطأ أن مخطط التسوية غير قابل للتطبيق ـ يتجاهل المشروع عن قصد الاهتمام الذى عبرت عنه عدة بعثات إزاء خيار تقسيم الصحراء الوارد ويتجه المشروع بطريقة مغرضة لتزكية الاختيار الثانى ـ(اتفاق الإطار)ـ الذى دعمته أقلية من أعضاء مجلس الأمن اعتبرت الجزائر أن مشروع التوصية تم تحريره فى غموض تام دون استشارة الأعضاء الآخرين لمجلس الأمن، ومع الأطراف فى وقت كانت المحادثات فيه قد انتهت دون التوصل إلى إجماع ما حول خيار من خيارات الأربعة الواردة فى تقرير الأمين العام فى المقابل اقترحت روسيا تعديلا على مشروع القرار الأمريكى، هو عبارة عن مزيج من اتفاق الإطار الذى يقضى بمنح حكم ذاتى لسكان الصحراء ضمن السيادة المغربية ومن مقترح تقسيم الصحراء استمرار العجز الأممى:ـ منذ أن تناولت الأمم المتحدة ملف الصحراء الغربية فى السبعينات، وابتعاده عنها لفترة مؤقتة بعد أن دخلت أفريقيا كطرف مباشر فى محاولة لحسم النزاع من خلال لجنة المتابعة الأفريقية خلال عامى 1982 و 1984 لكنها فشلت هى الأخرى ثم عودة الملف مرة أخرى للأمم المتحدة، والعجز الأممى مستمر عن إيجاد تسوية نهائية وعادلة لمشكلة الصحراء، رغم صدور العشرات من القرارات ورغم وجود بعثة للمنظمة الدولية فى المنطقة وجهود جيمس بيكر المبعوث الشخصى للأمين العام، الذى تراوحت جهوده بين الحل القانونى فى الاستفتاء والحل السياسى الذى تجسد فى الحلين الثالث والرابع وقد دفع هذا الانسداد الأمين العام إلى التهديد أكثر من مرة إلى إنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة فى الصحراء الغربية بعد 11 عاما من عملها، دون جدوى، وقال عنان فى 21 فبراير 2002 إننا نواجه موقفا قاتما يتعلق بمستقبل عملية السلام فى الصحراء الغربية، وقال أن الأمم المتحدة يتعين عليها بعد 11 عاما وبعد أن أنفقت 500 مليون دولار، أن تفكر فى إنهاء عمل بعثتها لحفظ السلام، والاعتراف بأنها لن تحل المشكلة وأضاف أن العداء الشديد بين المغرب والبوليساريو وعقلية الفائز يكسب كل شئ جعلا من المستحيل إجراء الاستفتاء ويتهم المغرب الأمم المتحدة بأنها أخفقت حتى الآن فى معالجة مشكلة الصحراء فقد عجزت مفوضية اللاجئين حتى الآن عن إتمام إحصاء سكان المخيمات وتحديد هوية سكان الصحراء وإعداد اللوائح النهائية للمشاركة فى الاستفتاء إضافة إلى عجزها عن إطلاق سراح الأسرى المغاربة فى تيندوف الجزائرية، حيث تشير المصادر المغربية إلى وجود نحو 1261 أسير مغربى محتجزين فى جنوب غبر الجزائر فى ظروف اعتقال قاسية ونلاحظ أن جبهة البوليساريو فى شهر يونيو 2002 قد أفرجت عن 101 أسير مغربى فى خطوة قالت أنها اتخذت لأسباب إنسانية، وبل وتتهم الرباط المنظمة الدولية بتبنى اقتراح الجزائر الهادف إلى تقسيم المغرب وانفصال الجزائر وخلال عام 2002 لم يحدث جديد فى معالجة الأمم المتحدة للقضية، وأصدر مجلس الأمن ثلاثة قرارات تتعلق بمشكلة الصحراء الغربية وهى القرارات 1394، 1406 ـ 1429 فقد أكد القرار 1394 والذى أقره المجلس فى 2002/4/27 من جديد قراراته السابقة بشأن مسألة الصحراء الغربية والتزامه بمساعدة الطرفين فى التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول منهما لهذه المسألة ويقرر على نحو ما أوصى به الأمين العام فى تقريره فى ـ 2002/2/19 أن يمدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء فى الصحراء الغربية حتى 2002/4/30 وأن ينظر على نحو فعال فى الخيارات المبنية فى تقريره وأن يتناول هذه المسألة فى برنامج عمله ثم اتخذ المجلس القرار 1406 والذى أقره فى 2002/4/30 حيث أعاد التأكيد على جميع قراراته السابقة بشأن الصحراء وقرر تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة حتى 2002/7/31 لمواصلة النظر فى تقرير الأمين العام وأخيرا اتخذ المجلس القرار 1429 والذى أقره فى 2002/7/30 وفيه أعاد التأكيد على قراراته السابقة بشأن الصحراء وأكد على الحاجة الماسة للبحث عن حل سياسى بالنظر إلى عدم إحراز أى تقدم فى تسوية النزاع المتعلقة بالصحراء، وعبر المجلس عن قلقه لأن عدم التقدم هذا لا يزال يتسبب فى معاناة لشعب الصحراء الغربية، ويظل مصدرا لعدم الاستقرار فى المنطقة، ويعوق التنمية الاقتصادية فى منطقة المغرب العربى، ويعد التأكيد مجددا على التزامه بمساعدة الطرفين على التوصل لحل سياسى عادل ودائم يقبله كلاهما ويعود بالفائدة على جميع دول المنطقة، وسعيا من المجلس لتخفيف آثار النزاع وضمان الإفراج الفورى عن أسرى الحرب وتصميما منه على كفالة حل سياسى عادل ودائم يقبله الطرفان، ويضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية فى سياق ترتيبات تتمشى مع مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة فإن المجلس يعرب عن استمراره دعمه التام لدور وعمل الأمين العام ومبعوثه الشخصى ويشيد بالطرفين لالتزامهما المتواصل بوقف إطلاق النار ويرحب بالإسهام الأساسى الذى تقدمه بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء فى الصحراء الغربية فى ذلك المجال وقد قرر المجلس تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء فى الصحراء الغربية حتى 31 يناير 2003 وتوضح قراءة هذه القرارات، استمرار الأمم المتحدة ورغبتها فى مواصلة العمل من أجل القضية، لكنها فى نفس الوقت لا تقدم حلا وسطا يرضى الطرفين المتنازعين مواقف متضادة:ـ مما سبق يمكن القول أن العائق الحقيقى أمام إيجاد حل نهائى لقضية الصحراء حتى الآن، وهو تناقض مواقف الأطراف المعنية بها خاصة المغرب وجبهة البوليساريو، وهذا التناقض كان سببا فى إجهاض أية محاولة للتسوية فالمغرب يعتبر قضية الصحراء من أبرز ثوابته، ومن ثم يرفض خيار الاستقلال تماما، وفى المقابل تتشبث جبهة البوليساريو بخيار الانفصال وتقرير المصير، وإقامة الجمهورية الصحراوية العربية المستقلة، وقد فشلت كل محاولات التقارب بين الطرفين المتنازعين المغرب وجبة البوليساريو وقد وجه زعيم الجبهة محمد عبد العزيز دعوة فى نوفمبر 2001 أثناء اجتماعه فى أسبانيا مع أوروبيين يؤيدون حق سكان الصحراء فى تقرير مصيرهم، ورفض المغرب ذلك، وكان الجانبان قد اجتمعا وجها لوجه عام 1996 قبل أن يعتلى الملك محمد السادس عرش بلاده، إلا أن الخلافات انهارت بسبب الخلاف بشأن من يحق له التصويت من سكان الصحراء فى خيار الاستفتاء تأزم العلاقات المغربية ـ الجزائرية:ـ يتهم المغرب الجزائر بأنها الطرف الرئيسى وراء هذا النزاع المفتعل وذلك من خلال إيواء قادة البوليساريو والآلاف من اللاجئين الصحراويين الأراضى الجزائرية وهو ما يعتبره المغرب مخالفا بالأساس لميثاق الاتحاد المغاربى والذى يشير إلى التزام قادة الدول المغاربية الخمس بوحدة أراضى كل منها وسيادتها، إلا أن المسئولين الجزائريين يقولون أن دعمهم للبوليساريو نابع من مبدأ حق الشعوب فى تقرير مصيرها وتصفية الاستعمار ويمكن القول أن قضية الصحراء الغربية قد ألقت بظلالها على العلاقات بين دول المغرب العربى، بحيث أن عدم التسوية هذه للمشكلة حتى الآن شكل إحدى العوائق الرئيسية فى اتجاه تفعيل هذا التجمع الإقليمى وقد انعكس ذلك فى قرار العاهل المغربى الملك محمد السادس بعدم المشاركة فى القمة المغربية التى كان من المقرر عقدها فى 21 يونيو 2002 بالجزائر، وتم إلغائها، وذلك بسبب الانقسام الشديد فى المواقف بين الرباط والجزائر من تسوية هذه المشكلة وقد كان يعول على هذه القمة فى تخفيف حدة الخلافات بين الدولتين، بعد أن علقت القمم العادية للاتحاد بطلب من الرباط فى منتصف التسعينات الدور الأفريقى فى حل مشكلة الصحراء الغربية:ـ لم يرق دور منظمة الوحدة الإفريقية، إلى مستوى تقديم الحل الحاسم لمشكلة الصحراء، مقارنة بما لعبته من أدوار مشابهة فى مشكلات عديدة مثل مشكلة ناميبيا وغيرها، والسبب الرئيسى فى ذلك هو اعتماد المنظمة منذ البداية على خيار الاستفتاء فلم تساعد الوساطة الأفريقية فى الثمانينات فى وضع حدا لهذا النزاع المستمر بل أن القرار المثير للجدل الذى اتخذه مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية فى فبراير 1982، والقاضى بقبول الجمهورية التى أعلنها البوليساريو فى الصحراء الغربية عضوا دائما فى منظمة الوحدة الإفريقية أدى إلى انسحاب المغرب من المنظمة خلال قمة أديس أبابا عام 1984، مما ممثل نهاية للدور الأفريقى فى النزاع، ودليلا على عجز منظمة الوحدة الأفريقية وقد شكل هذا الموقف خطرا على المنظمة نفسها، فقد انقسمت على نفسها فى القمة العادية التى انعقدت بواجادو عام 1998، حين طرحت بعض البلدان الأفريقية الفرانكوفونية مسألة إعادة النظر فى عضوية الصحراء الغربية واسترجاع المملكة المغربية عضويتها وجرى صراع علنى قبل أن تجسمه بلدان إنجلوسكسونية على رأسها جنوب أفريقيا وزيمبابوى وناميبيا وبالتالى كان نموذج الصحراء الغربية دليلا على فشل المنظمة تجاه قضية من أعقد قضايا القارة والتساؤل المطروح كيف سيتعامل الاتحاد الأفريقى الجديد مع ملف الصحراء الغربية؟ فمن الإنجازات السياسية لمنظمة الوحدة الإفريقية هو تحقيق استقلال غالبية الدول الأفريقية وتصفية قضايا الاستعمار وآخرها مشكلة ناميبيا، كما نجحت المنظمة أيضا فى احتواء الخلافات الحدودية بين دول القارة انطلاقا من مبدأ الحفاظ على الحدود التى تركها الاستعمار وربما يكون هذا التفسير لعدم فاعلية دور المنظمة فى أزمة الصحراء، أما الاتحاد الأفريقى الجديد فإن أجندته التى نشأ من أجلها مختلفة، تأتى على رأسها قضايا التنمية فى دول القارة، وتحقيق مستوى معيشة مرتفعا لأبنائها، خاصة مع تزايد الفجوة بين دول الشمال الغنى ودول الجنوب الفقيرة، كذلك دعم قضايا الإصلاح السياسى ونشر الديمقراطية وتحسين أوضاع حقوق الإنسان، وبالتالى دخول الاتحاد طرفا فى هذه المشكلة المعقدة ربما يشكل عائقا أمام تقدمه، وهو أمام خيارين ـ الأول:ـ أن يتدخل الاتحاد للعب دور فعال، وهذا خيار صعب لأنه يتطلب منه أن يطرح خيارا أو تسوية عادلة ترضى جميع الأطراف، خاصة المغرب والجزائر وعليه أن يقدم حلا جديدا، بعد فشل الحلول السابقة ـ الثانى:ـ أن يظل الاتحاد عازفا عن عدم التدخل حتى لا يجلب إليه مشكلة جديدة ربما تشكل عائقا أمامه، وخاصة وأنه فى طور تكوين مؤسساته التشريعية والتنفيذية وهذا يحتاج لتكاتف كل جهود دول القارة وليس من مصلحته أن يخلق أزمة تولد استقطابات متعددة بين أعضائه الخاتمة:ـ يمكن القول أن حالة الانسداد التى آلت إليها الجهود المختلفة لحل مشكلة الصحراء الغربية تعود بالأساس إلى طبيعة التعقديات الإقليمية والقانونية والسياسية التى تكتنف النزاع المشتعل من أكثر من ثلاثة عقود وهى التعقيدات التى أدت إلى إخفاق المحاولات الإقليمية والأفريقية والدولية لإيجاد تسوية نهائية اقتراحا بإعطاء كل جانب بعض وليس كل ما يطلبه ـ أن مشكلة الصحراء الغربية وبعد مرور أكثر من ربع قرن عليها منذ بدايتها عام 1975 ورغم الجهود الدبلوماسية المتعددة إلا أنها مازالت قائمة ولم تصل إلى حل، ومن المتوقع أن يستمر ذلك الوضع المتشابك ما لم يقدم الطرفان المعنيان تنازلات جوهرية تمكن من التوصل إلى صيغة عادلة تحقق الحد الأدنى من مطالبهما ـ وطالما استمرت المشكلة بتلك التعقيدات فإنها تستمر فى إلقاء ظلالها على العلاقات الإقليمية وخاصة استمرار حالة الجمود داخل الاتحاد المغربى نتيجة التوتر فى العلاقات الجزائرية ـ المغربية المراجع:ـ ـ عميد أ ح دكتور أحمد عبد المنعم نور، مشكلة الصحراء الغربية بين الاستفتاء، والحل الثالث، مجلة الدفاع 1/ 1/ 2002 ـ نصر القفاص، قضية الصحراء الغربية ومنطقة الحل الحاسم، الأهرام 20/ 3/ 2002 ـ محمد ولد المنى، الحل الثالث هل يعى فشل خطة استفتاء المصير، الاتحاد، 1/ 7/ 2001 

  أحمد سيد أحمد

 

المصدر: السياسة الدولية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: