سرد لمأساة قاصر مغتصبة

الزمان أنفو _ رسالةٌ مِنْ ضحية إغتصابٍ ..

ذات مساءٍ حزين على شاطئ البحر .. وحين كانت الشمس تخلع آخر ثيابها الداخلية لتغرق في المدى الممتد إلى المجهول وتنتزجُ حمرة أشعتها المودعة بزرفةٍ البحر الهائج..
حينها كنتُ طفلةً بريئة ذات وجه ملائكي لا اتجاوز السابعة من عمري .. أشاهدُ البحر وأتأملهُ تأملَ طفلةٍ لَهُ.. وكان والداي يقفانِ على بعد أمتارٍ مني لعلهما منشغلان بقصة حبهما أكثرَ مني ..
وَقَفَ بجانبي رجلٌ خمسيني طويلُ القامةِ ذا لحية بيضاءٍ وفي يدهِ مسبحةٌ وفمهُ يتعطرُ بذكر اللهِ ويلبسُ جلباباً قصيراً..
وخاطبني خطاب جدٍ لحفيدتهِ قائلاً يا إِبْنَتِي لماذا تقفينَ على الشاطئِ وحدكِ بدون مرافقْ؟ .. فرددت والدايْ ليسا بعيدينِ من هنا ..
أخذ نفساً عميقاً وأشار بيده إلى أطفالٍ يلعبون في ما بينهم وقال بصَوْتٍ جميل هَلْ تحبين أن تلعبي مع أطفالي.. فرددتُ قائلاً نعم وذهبتُ معهُ وأنا في نوبةِ فرحٍ شديد.. لأنِّي سأعيش لحظة سعادة سرمدية مع أطفالٍ جملاء لطالما منعتُ منها..
كُنَّا نسير بخطواتٍ خجلةٍ حَتَّى أدخلني في خيمَةٍ وأعطانِي كَأْساً من الماء فشربتهُ وأنا دائخةٌ وفقدتُ الوعي ساقطةً على الأرض..

أستيقظتُ على جوٍ مفزع بقدر ما هو مؤلم .. ملقاةً على رصيف شارعٍ بين أكوام القمامة .. في بقعة نائية .. دمائي التي أعز ما أملك لطختْ ملابسي التي مُزِقَتْ بالكامل.. لطختْ الأوراق القذرة المنتشرة حولها حتى التراب تلطخت بدمي..
جفتْ دموعي على خدي عندما وجدني بعض المارة في صبيحة يومٍ غابر ..
لملموني وألقوْ بي في مؤخرة السيارة كأني مجرد حقيبةٍ قديمة باتت غير صالحة لحمل ملابس جديدة..
أتصلوا بوالدايْ وأخبراهم بالفاجعة التي حصلت وذهبا بي وأدخلاني في بيتي..لم يحضرا لي أي طبيبٍ .. ولم يحاولا رفع شكوى عنِّي الكلُّ ألتزم الصمت رغم أعيائي ..
رقدتُ في سريري ليالٍ طويلة لا يسمعُ أَحَدٌ من قاطني المنزل إلا صراخي ..
حتى والدتي لم تطيب خاطري بكلمةٍ ، مجروحة وخاطئة ، منتهى القسوة أن تتحملَ وزر لا ذنب لكِ فيه..
حتى البسمة ممنوعةٌ على فاقدة الشرف ..
ماتت هكذا قال والدي.. وهكذا كانوا يردون على أسئلةِ جيرانهم وأقربائهم..
ربما كان بإمكاني تحمل الألم لكن من الأقربين يكون أشدَّ وأمضى .. كأنه خنجرٌ مغروسٌ في جرحِ مفتوحٍ يتحركُ مع كلِّ نظرةٍ وكلمة مع من كنتُ أظنهم أهلي..

أنا الآن وفي هذه اللحظةِ البائسة “بعد سنواتٍ” أتَألم بحرقةٍ لا أحد يستطيع فهمي أو لنقل لا أحد يحاول فهمي .. حتى أبي أمي تنكرا لي وصارا ينظران لي نظرة الله للمذنبين يوم الآزفة نظرة مظلومٍ لظالمه
كنت أظنها مسألة وقتٍ لا أكثر .. سيعود أبي ذلك الملاكُ الطيب وأمي تلك القديسة الحنونة
ولكن قافلة الأيام كان لها رأي آخر .. رأي يزيد من كآبتي وإشمئزازي من الجنس البشري ومن الحياة أيضاً..
يا حسرتي يا ندمي على وجودي من البداية بين وحوشٍ لا رحمة في قلوبهم .. لا يعونَ معنى أن تكون إنساناً أن تكون صادقاً مع ذاتكَ.. لا يعون خطورة ما يفعلونه لي .. وما عواقبه ..

لم أعد قادرةً على خروج المنزل .. عندما أمشي في الشوارع يأكلني الناسُ بنظراتهم المحملة بالكره والبغض بدل المواساة والتعاطفِ.. أراهم يتهامسون بصوت يكاد يكون مسموعاً “هذه نعوذ بالله من حالها ..هذه هِيّ المغتصبة التي فقدت عذريتها وشرفها..
وهل أنا بالذات من قررت أن تكون مغتصبة .. وأن تفقد عذريتها وشرفها كما تزعمون وإن كنتم أنتم بنفسكم بلا شرف.. لو كان لديكم شرفٌ لما تركتم إنسانةً تتعذبُ بمفردها.. تكابد الدنيا لوحدها بعدما تنكرتم لها وتركتموها تتألمُ في صمت ..
لو كان هناك شرفٌ فعلاً في هذا العالم لما عاقبتموني على أمرٍ لم أخترهُ .. على أمر وقع عليّ كالصاعقة التي تنزل من السماء على أُناسٍ أبرياء لم يقترفوا أي ذنبٍ.. فقط نزلت عليهم الصاعقة وماتوا بدون سابقِ إنذار..
حتى أنت يا “….” لماذا كلُّ هذا الصمت .. لماذا لا تخبرهم الحقيقة .. ألستَ المسؤول عن كل ما يحدث ..

أنتم لا تعلمون كم عانيت وكم تألمت فمنذ مدة وأنا لستُ بخير مشوشة بأفكارٍ سوداوية .. أعيش في متاهاتٍ من اللايقين .. منكسرة من الداخل.. حزينة ضائعة أشهر بوحدة قاتلة.. أحاول أن أخرج من هذه الحياة البائسة .. لكني لا أستطيع .. أبحث عن أي سبيل ليخلصني .. أرهقني هذا فعلاً .. أكرهُ ذاتي عندما يتنمرُ عليّ أحدهم بقوله أنت مغتصبة لهذا أريد أن أنهي حياتي .. فمثلُ هذه الأشياء تحرضُ على الإنتحار.. وبما أَنْ لا وجود لِنهايات .. يوجد فقط ماضي وبدايات .. والآن بداية رحيلي وغداً ماضي وذكرى بالنسبة لكم ..

سأقول لكم آخرُ ما أُرِيدُ قوله يا أبشع من وطئ هذه الأرض:
أولها أنني لم أشعر أَبَداً بالحرية والفرحِ والإرتياحٍ وعدم الخوف من المجهول قبل هذه اللحظة التاريخية التي أقفُ فيها على كرسيٍ خشبي ألفُّ الحبل حَوْلَ عنقي التي جُرحتْ ذات مساءٍ .. أنا سعيدة لأنِّي على يقينٍ تامْ بأنها ستكون بداية ثورة وإنتصاراً لنساءِ بلدي ولهذا أنا سأموت بسلامٍ و راحة أبدية ..
والثانية لكن يا نساء موريتانيا : أن تتحدنَ لكسر أغلال الذكورية وإلا كانت نهاية مطافِ كل واحدة منكن كنهايةِ قصتي المأساوية..
…….

من صفحة ولد عبدالعزيز “عزيز گيفارا”على الفيس بوك مع تصرف من إدارة تحرير “الزمان”

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق