من هوصاحب اللحية الزرقاء المثير للجدل

الزمان أنفو: كتب المختار السالم للخليج:
ما من شخصية أكثر إثارة للجدل والغموض في التاريخ الموريتاني خلال القرنين الماضيين أكثر من الرجل الأسطورة، «صاحب اللحية الزرقاء» كما لقبه الفرنسيون. فهذا الرجل الذي يتميز بذكاء حاد، ودهاء خارق، كان أول موريتاني يحصل على البكالوريا، وأول من ألمّ باللغة الإنجليزية، وعمل وزيراً لسبعة أمراء موريتانيين، كما كان بمثابة جهاز مخابرات متكامل لحملة التوغل الفرنسي في موريتانيا. فمن هو «صاحب اللحية الزرقاء»؟ وما الأدوار التي لعبها، والتي أصبحت محل إعجاب لدهائه وذكائه الذي مكنه من التلاعب بالجميع، موريتانيين ومستعمرين فرنسيين؟
يسلط المؤرخ والباحث الموريتاني سيد أحمد ولد الأمير الضوء على «صاحب اللحية الزرقاء» ضمن مقاله عن «المترجمين الموريتانيين»، وهذا المصطلح يطلق الآن على الموريتانيين الذين تعلموا اللغة الفرنسية ليعملوا بين الإدارة الاستعمارية الفرنسية والموريتانيين.
ولد المترجم والوزير أخيارهم بن المختار بن سيدي بن عبد الوهاب، عام 1832، وهو من أوائل طلاب «مدرسة أبناء الشيوخ»، التي أقامها الفرنسيون في مدينة «سينلويس» السنغالية، لتدريس أبناء النخبة المحلية في موريتانيا والسنغال، وفيها تخرج معظم الموريتانيين الأوائل، وجنباً إلى جنب درس فيها من سيقود اللواء الفرنسي في موريتانيا ومن سيلعب الدور المعاكس.
يقول ولد الأمير: «عاش أخيارهم أكثر من 70 سنة، وتوفي سنة 1907. وكان رجلاً قوي البنية، آدم اللون، أقنى الأنف، ذا عينين سوداوين توحي نظراته بذكاء حاد وفطنة متوقدة كما تصفه التقارير الفرنسية، إذ كان نابهاً، سريع التحصيل خصوصاً لدروس اللغة الفرنسية، وهو ما شجع الوالي الفرنسي في السنغال على إعطائه منحة لتعلم اللغة الفرنسية في فرنسا. فزار أخيارهم باريس عام 1853 وهو ابن 20 سنة وقضى بها عاماً وكان بذلك أول طالب موريتاني يذهب إلى أوروبا، في عهد نابليون الثالث».
وحضر «أخيارهم» دخول نابليون الثالث باريس وهو قادم من حرب القرم بشرق أوروبا وظل يتذكر تلك الاستعراضات العسكرية الضاربة في الفخامة كما ذكر ذلك أفريرجان في كتابه عن موريتانيا. ومثل ما كان يتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة، مر الطالب الموريتاني بعد إقامته بباريس بمدينة ليفربول البريطانية وأقام بها برهة حيث أخذ بعض مبادئ اللغة الإنجليزية.
ويضيف ولد الأمير: «تصف إحدى الوثائق الفرنسية كيفية ابتعاث أخيارهم لباريس واللباس الذي زودته به الإدارة الفرنسية في السنغال والتوصيات التي بعث بها الوالي إلى الحكومة الفرنسية، خصوصا ضرورة معاملة هذا الطالب المسلم الذي لا يأكل لحم الخنزير ولا يشرب الكحول، والذي ينبغي معاملته تماماً كما يعامل الطلاب المشارقة القادمين من مصر وغيرها من دول العالم الإسلامي».
وأطلق الفرنسيون في كتاباتهم الكثيرة على «أخيارهم» لقب “ذو اللحية الزرقاء”، والسبب في ذلك أن لون اللثام المصنوع من قماش «النيلة» كان دائماً يصبغ لحية «أخيارهم» الكثة فتبدو زرقاء بعدما كبر واشتعلت لحيته شيباً.
عمل أخيارهم وزيراً ومستشاراً مقرباً لسبعة من أمراء «إمارة الترارزة» جنوب موريتانيا على الحدود مع السنغال، وهي الإمارة التي لا يزال معترفاً بروتوكولياً بأميرها.
وكانت تلك الإمارة بالتحديد بدأت حرب مقاومة طيلة أكثر من 60 عاماً، وتمكن أمراؤها الشجعان من منع الغزاة الفرنسيين من عبور نهر السنغال. ونظراً لجشاعة أمراء الترارزة المنحدرين من الفرع الأشرس في قبائل «بني حسان»، فلم يتمكن الفرنسيون من دخول موريتانيا واحتلالها إلا بعد انقسام علماء الدين في البلاد بين مؤيد لما عرف بنظرية «التوغل السلمي» لوقف حروب العصابات والاقتتال الداخلي الذي كان في أوجه، وبين العلماء الذين أصدروا فتوى بجوب المقاومة وشاركوا فيها بأنفسهم.
ساعد «أخيارهم» عامل النسب في تولي الوزارة، إذ كانت الأسرة الأميرية من أخواله. ولكن الموريتانيين لن يعرفوه على حقيقته قبل تقارير ومذكرات الفرنسيين، خصوصاً كتاب «قصص مغامرات وجولات وحروب في بلاد البيضان»، للرائد إفرير جان، أحد أكثر الضباط الفرنسيين الذين احتلوا موريتانيا دموية.
يقول إفرير جان: «أخيارهم» شخصية خارقة للعادة، وكان يولي ويعزل الأمراء مناصراً ومعادياً بازدراء قاتل، وكان لا يخاف شيئاً ولا أحداً ويؤمن بانتزاع السلطة تبعاً للنظام الاجتماعي الذي كان حينئذ معمولاً به، ويصبغ لحيته البيضاء بالأزرق بإحكام للتأكيد على علو مكانته وثروته من خلال لبس الأثواب النبيلة الجديدة فقط ويغيرها متى أراد.
ويضيف أن «أخيارهم» إذا لم يكن قتل زوجاته على التوالي فإنه اشتهر بلقب «وارويك» (رجل الدسائس) خلال ما يقارب نصف قرن ظل يصنع نظام التداول على الحكم في هذه البلاد بواسطة الاغتيال.
ظل الفرنسيون يخشون مكر «أخيارهم» دوماً، ففي أول دخول لاكزافيه كبلاني، قائد حملة التوغل الفرنسي في موريتانيا، إلى منطقة «البراكنة» (وسط)، كان ذو اللحية الزرقاء حاضراً، وكان له في «معركة ألاك» دور مريب، ووصل إليه الأمر بأن يذهب إلى نواكشوط، وفق تقرير الفرنسيين. وهكذا كان «أخيارهم» من بين الشخصيات الموريتانية التي حضرت وصول السفينة الفرنسية التي تحمل فرقة من الجيش الفرنسي الذي سيقيم أول مركز بنواكشوط التي كانت وقتها مجرد بئر في الخلاء على ضفاف البحر.
خلال إقامته في منطقة نواكشوط لتأسيس مركز قيادة لـ«الترارزة الغربية»، يقول أفرير جان، إنه بفضل «أخيارهم» استطاع فتح نافذة إلى عالم عرب موريتانيا، مضيفاً: «أخيارهم يعلم ويعرف كل شيء، إنه يريد أن يجعلني أنظر بعينيه ولكنه من الصعب أن أفعل غير ذلك لأنني ليس لدي أي علم بالبلد وسكانه. ولكن على الأقل أتجنب ارتكاب الأخطاء الكبيرة التي يصعب تداركها، ويبدو حقيقة أن أخيارهم بعد معركة ألاك، من مصلحته أن يلتزم مربعنا ويلعب لعبتنا».

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق