ميت في كوانجو

الزمان انفو –

 

عملت في بلدان عديدة..من جزر القمر والقرن الافريقي وغرب افريقيا الى اوروبا والولايات المتحدة الى تغطية الثورات حيث حوصرت في مدينة لم تصلها قنوات العالم الا بعد سقوط القذافي..غطيت ثورة تونس من يومها الأول..الموت اقترب مني كثيرا لكنني لم امت الا مرة واحدة وفي بلدة واحدة..كان ذلك قبل سنتين حين كلفت باعداد عمل لقناتي من كوانجو الصينية لم تكن الرحلة غير اعتيادية..ولم يفاجئني الصينيون بعظمة بلدهم اذ كنت تقريبا على معرفة بمافي بلد السور العظيم وابروس لي وثورة ماو والرفاق..
فور وصولي اي بعد يوم غصت رفقة ابروفسيير يمني في الشغل الذي من اجله اتيت..وبينما انا استعد للنوم بعد ارسال تقريري احسست حمى تدب في جسمي ثم لاحظت انني سأفقد الوعي..اتصلت بالفندق الذي اتصل بدوره بالمستشفى..وفي انتظار الاسعاف سجلت في الآي باد شبه وصية من كلمات ليست بالكثيرة..ثم جاءت سيارة الاسعاف..حملوني الى المستشفى وفي الطريق لاحظت حذرهم الزائد في تعاملهم معي..يضعون قفازات ويبالغون في حزم الكمامات وكأنني فيروس فتاك..الحمى تعبث بعقلي تقريبا، وسيارة الاسعاف تشق هدأة كوانجو وانا انظر الى اعلى كأنني احاور الله في ارض لايعتقد اغلب اهلها بوجوده …حزنت لأني ضعفت وخارت قواي وانهار جسدي..ببساطة امي التي طالما اعتقدت ان الله يسامحني من اجلها بعيدة كل البعد.. انا حزين فعلا لكنني مستسلم وعاجز عن الحزن..حتى الدموع التي انسكبت وانا اسجل على الآي باد توقفت في السيارة..تجمد الدموع جعلني انتظر بسرعة ان ارقد ولا استيقظ الا على ملكين لديهما الكثير لجعلي وقودا رديئا لجهنم..لم استحضر صرخة الشابي في وجه الموت: سأعيش رغم الداء والأعداء..لم افعل لأن الموت هنا حقيقي وليس شطحة شاعر متقد الشعور..لكنني لم امت في الطريق بدليل انني رأيت النقالة ورأيت الأطباء وهم متلهفون لاستلامي ونقلي الى المصعد وللحظة مر بخاطري بيع الأعضاء البشرية وفوضى حكم الحزب الواحد والفكر المخلص..قضي عليك ايها “العقلي”..لن ادفن في “العقل” كما كنت اريد..لايهم..فصلاة الغائب ستقام علي في بلدتي وسيقام حفل لرائد النهضة الكروية واحد الشباب الذين قارعوا التقليد الغبي..لن احضر الحفل الذي يفترض ان يقام في “ويد التلاميذ” الملعب الذي سيحمل اسمي لاشك..اوه منها اشياء جالت بخاطري نصف النائم..ثم سمعتهم يقولون برطانة صينية لا افهمها: لقد مات..نعم لقد مات..وانتظرت ان يغطيني احدهم ويضعني في البراد غير انهم لم يفعلوا ويبدو انهم يتكلمون في امر آخر..ارسلوا عينة من الدم الى المختبر وبعد دقائق وضعوا مصلا وريديا ثم غبت عنهم في رحلة مبهمة ولاأواصر لعلاقة بين اشيائها..رأيتني اتناول شطيرة بيتزا ثم اصب عليها حليبا واغرفها كأنها عيش بارد.ثم عشت تجربة ميدنايت اكسبريس لكن في الصين بدل تركيا..كوابيس من هذا القبيل..يوم يومان وانا على السرير، استيقظ لحظات لأجد ممرضا يقابلني ويرمقني بوجه لاتعابير فيه كأنه سجان شيوعي غاضب من ابزيم حزامي وهاتفي القادم من “سيول”..بعد يومين دخل علي الطبيب اليمني مستبشرا: هيا انهض..لقد نجوت من فيروس كذا..يبدو انهم تصرفوا في ظاهريا فلا لباسي معي..تحسست الظاهر من بدني فلم اجد ندبة او جرحا او دما نازفا او متخثرا..في الداخل الله اعلم..
ادخلوني الحمام وانا اسير في الرواق بين الأطباء بلاثياب..كان السرير مبللا بالعرق..خرجت سيرا على الأقدام وكل جوارحي تتسابق لتحمد الله انني الى الآن لم امت في الصين..ورغم خروجي من المستشفى وخروجي من الصين كلها الا انني لم اصدق انني لم امت هناك الا في الدوحة ودبي بعدها بأيام..الصور من اول يوم بعد الموت..صدقوني مؤلم هو الموت فمابالكم لو اننا طلبناه حتى في الصين.

محمدالأمين محمودي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق