نظرة في مسألة تعصيب العاقلة بين الأمس واليوم / د إزدبيه الامام

الزمان أنفو ـ
من النوازل التي طرحت في المجتمع الشنقيطي خلال “فترة السّيبة”؛ مسألتان أخذتا حيزا كبيرا في النقاش الفقهي لدى العلماء الشناقطة في القرن الثالث عشر الهجري.

أول هذه النوازل مسألة حكم العقوبة بالمال، في حال تعذرت إقامة الحد على الجاني، نظرا لسيبة البلاد وتعذّر إقامة الحدود فيها، فكانت لهم في ذلك فتاوى كثيرة مال أغلبها إلى القول بجواز العقوبة بالمال، فعُمل بمقتضى السياسة مراعاة لمبدأ المصلحة.

والنازلة الثانية مسألة تعصيب العاقلة على دية القتل، التي أثارت نقاشا موسعا بين العلماء الشّناقطة؛ بين قائل بها، وبين المانع لها، حيث توزّع الشّناقطة حولها إلى فريقين. فريق يرى بالتّعصيب على القتل العمد، لأنّه صار كالخطأ على مقتضى السياسة التي لا يجوز التعويل على غيرها في هذه البلاد السّائبة. لأنّ القصاص فيها يؤدّي للقتال. ويتزعم هذا الفريق العلامة الكَصري بن محمّد بن المختار الإيدَيلبي.

والعلامة محمّد صالح بن عبد الوهّاب الناصري، حيث يرى أنه لمّا كان العمد في هذه البلاد كالخطأ في نفي القصاص وإلزام الدية لعاقلة قاتل العمد وإلزام أولياء المقتول عمدا قبولها لخوف الفتن ولتعذر الحق لسيبة البلاد، وتعيّن الصّلح فيها على ما تقرّر، فكذلك يتعيّن الصّلح على الهدر في الدّماء والأموال؛ لجامع العلّة من سيبة البلاد وتعذّر جريان العمل فيها بما هو مقتضى السيّاسة الّتي لا يجوز التّعويل على غيرها في هذه البلاد السّائبة، كما نصّ عليه الأئمّة، وبه جرى عملهم في الأحكام واستقرّت عليه الفتيا.

وقد انطلقت فتاوى هذا الفريق من مسألة تعطيل حدِّ القصاص في بلاد شنقيط وقالوا بإلزام ذوي الجاني ديّة قتل العمد خلافا للمنصوص في كتب المذهب، ما دامت تلك الحدود مستحيلة الإقامة لفقد السّلطان، وما يترتب عن إقامتها بدونه من مفاسد يكون في الغالب أشدّ مما ينتج عن تركها، فلا بأس إن استطعنا زجر الجاني وتعزيره بعقوبة مالية أن نلزمه بها، ويكون في ذلك حفظ لأنفس الخلق من عدوان المعتدين.

وأما فريق منع التعصيب على دية القتل فقد تزعمه العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، الّذي خالف رأي الجمهور؛ حيث يرى أن ما جرت به عادة هذه البلاد من تعصيب على العمد قل ذلك أو كثُر، كل ذلك باطل واتباع للهوى.. إضافة إلى أنه لا يحقق مقصد الشّارع من إقامة الحدود، الّذي هو زجر المعتدي عن أذية النّفوس بالقصاص.

موضحا أنه لا يتخيل له شبهة في الصحّة لعدم المصلحة فيه مع ما فيه من المفسدة التي هي إغراء أهل الفساد على الدّماء إذا علِموا أنهم لا يؤخذون خصوصا بما جنوا كما هو مشاهد منهم فعلا وقولا. ومن أصول مالك سدّ ذرائع الحرام. فليحذر مبتغي السّنّة من اتّباع هذه البدع. ولا يقال إنّها فُعلت باجتهاد. إذ لا يُجتهد عند الأصوليين مع وجود النّص.
وتعكس هذه الفتوى سعة المعارف الفقهيّة والأصوليّة وحضور البعد المقاصدي في التنظير الفقهيّ لدى العلامة سيدي عبد الله.

إذ الفتوى في معناها الفعلي ما هي إلا تصوّر وتكييف للحكم الشّرعيّ مع التّحدّيات الّتي يُفرزها الاجتماع البشري في حقبة معينة.

فهل صارت التسويات القبلية اليوم للجرائم والمخالفات بعد ستين سنة من عمر الدولة الوطنية هي استمرار في التشجيع على الجريمة، وإفراغ للردع من محتواه، وتحميل أبرياء وزر مجرمين أو مخالفين. وتغول للقبيلة وضرب لمشروع الدولة في الصميم، ومنازعة لها في اختصاصاتها وواجباتها، وهو ما حذر منه ابن الحاج ابراهيم رحمه الله.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق