هل كان كورونا؟؟

الزمان أنفو _ كتب محمدالأمين محمودي _

:ميت في كوانجو

عملت في بلدان عديدة..من جزر القمر والقرن الافريقي وغرب افريقيا الى اوروبا والولايات المتحدة الى تغطية الثورات حيث حوصرت في مدينة لم تصلها قنوات العالم الا بعد سقوط القذافي..غطيت ثورة تونس من يومها الأول..الموت اقترب مني كثيرا لكنني لم أمت الا مرة واحدة وفي بلدة واحدة..كان ذلك قبل سنتين حين كلفت باعداد عمل لقناتي من “كوانجو” الصينية لم تكن الرحلة غير اعتيادية..ولم يفاجئني الصينيون بعظمة بلدهم اذ كنت تقريبا على معرفة بمافي بلد السور العظيم وابروس لي وثورة ماو والرفاق..
فور وصولي أي بعد يوم غصت رفقة ابروفسيير يمني في الشغل الذي من أجله اتيت..وبينما انا أستعد للنوم بعد ارسال تقريري أحسست حمى تدب في جسمي ثم لاحظت انني سأفقد الوعي..اتصلت بالفندق الذي اتصل بدوره بالمستشفى..وفي انتظار الاسعاف سجلت في الآي باد شبه وصية من كلمات ليست بالكثيرة..ثم جاءت سيارة الاسعاف..حملوني الى المستشفى وفي الطريق لاحظت حذرهم الزائد في تعاملهم معي..يضعون قفازات ويبالغون في حزم الكمامات وكأنني فيروس فتاك..الحمى تعبث بعقلي تقريبا، وسيارة الاسعاف تشق هدأة كوانجو وانا انظر الى اعلى كأنني استغيث بالله في أرض لايعتقد أغلب اهلها بوجوده وخلقه لها …حزنت لأني ضعفت وخارت قواي وانهار جسدي..ببساطة أمي التي طالما اعتقدت ان الله يمهلني من أجلها بعيدة كل البعد.. أنا حزين فعلا لكنني مستسلم وعاجز عن الحزن..حتى الدموع التي انسكبت وانا اسجل على الآي باد قبل قليل تجمدت في السيارة..تجمد الدموع جعلني انتظر بسرعة ان أرقد ولا استيقظ الا على ملكين لديهما الكثير لجعلي وقودا رديئا لجهنم..لم أستحضر صرخة الشابي في وجه الموت: سأعيش رغم الداء والأعداء..لم أفعل لأن الموت هنا حقيقي وليس شطحة شاعر متقد الشعور..لكنني لم أمت في الطريق بدليل أنني رأيت النقالة ورأيت الأطباء وهم متلهفون لاستلامي ونقلي الى المصعد وللحظة مر بخاطري بيع الأعضاء البشرية وفوضى حكم الحزب الواحد والفكر المخلص..قضي عليك ايها “العقلي”..لن أدفن في “العُقل” كما كنت أريد..لايهم..فصلاة الغائب ستقام علي في بلدتي وسيقام حفل لرائد النهضة الكروية وأحد الشباب الذين قارعوا التقليد الغبي..لن أحضر الحفل الذي يفترض أن يقام في “ويد التلاميذ” الملعب الذي سيحمل اسمي لاشك..أوه منها أشياء جالت بخاطري نصف النائم..ثم سمعتهم يقولون برطانة صينية لا أفهمها: لقد مات..نعم لقد مات..وانتظرت ان يغطيني احدهم ويضعني في البراد غير انهم لم يفعلوا ويبدو أنهم يتكلمون في أمر آخر..أرسلوا عينة من الدم الى المختبر وبعد دقائق وضعوا مصلا وريديا ثم غبت عنهم في رحلة مبهمة ولاأواصر لعلاقة بين اشيائها..رأيتني اتناول شطيرة بيتزا ثم أصب عليها حليبا وأغرفها كأنها عيش بارد.ثم عشت تجربة “ميدنايت اكسبريس” لكن في الصين بدل تركيا..كوابيس من هذا القبيل..يوم يومان وأنا على السرير، أستيقظ للحظات فأجد ممرضا يقابلني ويرمقني بوجه لاتعابير فيه كأنه سجان شيوعي غاضب من ابزيم حزامي وهاتفي القادم من “سيول”..بعد يومين دخل علي الطبيب اليمني مستبشرا: هيا انهض..لقد نجوت من فيروس كذا..يبدو انهم تصرفوا في ظاهريا فلا لباسي معي..تحسست الظاهر من بدني فلم أجد ندبة او جرحا او دما نازفا او متخثرا..في الداخل الله اعلم..
أدخلوني الحمام وأنا أسير في الرواق بين الأطباء بلاثياب..كان السرير مبللا بالعرق..خرجت سيرا على الأقدام وكل جوارحي تتسابق لتحمد الله انني الى الآن لم أمت في الصين..ورغم خروجي من المستشفى وخروجي من الصين كلها الا انني لم أصدق انني لم أمت هناك الا في الدوحة ودبي بعدها بأيام..الصورة من أول يوم بعد الموت..صدقوني مؤلم هو الموت فمابالكم لو أننا طلبناه حتى في الصين.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق