على هامش الضجة التكفيرية الكبرى

الزمان أنفو _ كتب عبدالباقي محمد:

حاجتنا في زرع المحبة أكثر منها في زرع التناحر والتكفير

قبل ما يربو على أربعة عقود من الزمن، أي خلال نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات- كنت أعيش في أحياء بدوية متنقلة من مختلف الطبقات الاجتماعية، من عرب وزوايا وما يرتبط بهم من فئات مجتمعية أخرى.
كان إسلامنا فطريا لا إفراط فيه ولا تفريط، الإيمان بالله وحده لا شريك له وبرسوله وتقديس المقدسات والقيام بالفرائض، كلها كانت سمة غالبة على الجميع..
رغم مختلف التعليقات والنكات المتجاسرة أحيانا على المقدسات الدينية، على شكل دعابات وتندرات لتخفيف الجو وتلطيفه، ويستوي فيها الجميع، الإمام العارف والعالم النحرير أكثر من الأمي والإنسان ذي الحظ البسيط من المعارف والدين.
ورغم ذلك فلا شحناء ولا بغضاء.. لا تكفير ولا تجريم ولا استعلاء ولا رؤية فضل على غير، ولا وصاية في الدين لأحد على غيره. إنه جو هادئ رصين حصيف يطبعه الإخاء والنقاء والصفاء، كان الجميع في تعايش سلمي تام، يحتمي بصيانة الحريات ويستند إلى أدلة قرآنية واضحة “.. إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء” وقوله تعالى”… ألا تزر وازرة وزر أخرى..” وقوله”.. كل نفس بما كسبت رهينة..” وعبارة المجتمع “.. مان جايين فاقبر..”
ومنذ سنوات قليلة ومع بزوغ أنجم ثقافات واردة، ومع زيادة المعارف والتحضر، ورغم ما يتطلبه ذلك من حاجة ماسة في تقوية اللحمة الاجتماعية وتقوية الأواصر بين مختلف فئات المجتمع وأفراده، سعيا إلى بناء دولة ينعم فيها الجميع بالمحبة والإخاء والرفاه والسعادة، أظلتنا موجة من الاحتقان والتوتر وتسميم الأجواء بين مختلف شرائح المجتمع وأفراده، بسبب ظهور موجة عاتية من التكفير المدعوم بالرغبة الجامحة في العنف المادي والبدني لدرجة الرغبة الصارخة في سفك الدماء، يصفها البعض بأنها زيادة وقوة في الإيمان والبعض الآخر بأنها غلو وإفراط..
وبنظرة بسيطة إلى ما يشهده العالم الإسلامي اليوم من زيادة في التناحر والتشرذم، وإلى ما شهدته دول أقوى منا في العدة والعتاد وأشد منا تلاحما في نسيجها الاجتماعي، يدرك الواحد منا قدر حاجتنا إلى زرع المحبة بيننا جميعا..
زرع المحبة بين عالمنا وجاهلنا، وبين تقينا وغافلنا وبين عابدنا وعاصينا وبين راشدنا وسفيهنا.
نحن بحاجة إلى زرع المحبة بيننا جميعا.. بحاجة إلى أن يتغافل كل منا عن زلات أخيه، وأن يوجهه ويرشده بالحكمة والموعظة الحسنة.. لا بالتعنيف ولا بالتفكير ولا بالتجريم ولا بالمقاضاة..
فالخطر الخارجي أقوى وأشد من الحرب النفسية التي نندفع فيها بسبب كلمة أو نكتة هي محل خلاف بحكم نية صاحبها.. إن التغاضي والتسامح والتغافل، المدعوم بالتوجيه بالطريقة المحمدية السمحة “.. ما بال أقوام…” ستكون أكثر جدوائية وأكثر حكمة وجاذبية من كافة ردود الأفعال المتسمة بالتعنيف والتشهير..
فعلى رواد فضائنا الإجتماعي في مختلف وسائل التواصل هذه تحكيم العقل والحكمة.. فهي الأجدى والأسلم ..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللجميع.

شاهد أيضاً

تأجيل انتخابات نقابة الصحفيين بأمر قضائي

الزمان أنفو ـ يعلق انتخابات نقابة الصحفيين للمرة الثالثة 21 مايو, 2020 – 17:17 الأخبار …

اترك رد