عن الراحل محمود درويش والرائع المغدور ناجي العلي

الزمان أنفو _ في مقالٍ نادرٍ لَهُ، نَشَرَهُ في مجلة “اليوم السابع”، وتحديداً في العدد 177، نهاية أيلول (سبتمبر) 1987، تحت عنوان “كان يرسم .. كنت أكتب”، تحدَّثَ الشاعر الكبير محمود درويش بوضوحٍ وشفافيةٍ عن تلك المكالمة التي جَمَعَتْهُ بأيقونة الكاريكاتير الشهيد ناجي العلي، وهي المكالمة التي وُصِفَتْ بالمثيرة للجدل، ما بين اتهام البعض لدرويش بتهديده للعلي، في حين تحدث آخرون عن أن الأمر لا يعدو كونَهُ عتاباً.

كتب درويش في ذات الفترة التي استُشْهِدَ فيها العلي: عندما استبْدَلَ عِبارتي “بيروت خيمتنا الأخيرة” بعبارته اللاذعة “محمود خيبتنا الأخيرة” كلَّمْتُهُ معاتباً، فقال لي “لقد فعلتُ ذلك لأني أحبك، ولأني حريصٌ عليك من مغبَّةِ ما أنت مُقْدِمٌ عليه، ماذا جرى، هل تُحاوِرُ اليهود؟ اُخرُج مما أنت فيه لأرسمك على الجدران!”.. لم يكن سهلاً عليَّ أن أشرحَ له بأن تدخُّلَنا في أزمة الوعي الإسرائيلي ليس تخلّياً عن شيءٍ مقدسٍ، وبأن استعدادنا لمحاورة الكتّاب الإسرائيليين الذين يعترفون بحقنا في إنشاء دولتنا الوطنية المقدسة، على ترابنا الوطني، ليس تنازلاً منّا، بل هو محاولةُ اختراقٍ لجبهة الأعداء.

حنظلة
وأشار درويش إلى أنه “لم يكن سهلاً أن تُناقِش ناجي العلي الذي يقول: لا أفهم هذه المناورات، ولا أفهم هذه السياسية، طريق فلسطين واحدٌ وحيدٌ هو البندقية”.. وقال: كان غاضباً على كل شيءٍ، فقلت له: مهما جرحتني فلن أجرَحَك بكلمة، لأنك قيمةٌ فنيةٌ نادرةٌ. ولكن، بعدما صِرْتُ “خيبَتَكَ الأخيرة” لم يعد من الضروري أن نكتب وأن نرسم معاً.

شائعات سامة

وشدَّدَ درويش: أذكُرُ تلك المكالمة، لأن صناعة الشائعات السامة قد طوّرتها من عتابٍ إلى تهديدٍ، طوَّرتها ونشرتها إلى حدٍّ ألزَمَني الصمت. فلقد ذهب الشاهد الوحيد دون أن يشهدَ أحدٌ أنه قال ذلك. على الرغم من أن إحدى المجلات العربية قد نشرت على لسانه أنني عاتَبْتُهُ، وعلى الرغم من أنه أبلغ رئيس تحرير جريدة القبس الكويتية بأنه ينوي كتابة رسالةٍ مفتوحةٍ إليَّ يشرح فيها عواطِفَهُ الإيجابية. على الرغم من كل ذلك فإن صناعة الشائعات ما زالت تُعيدُ إنتاجَ الفِريَة، التي لا أملك ردّاً إزاءها غير التعبير عن الاشمئزاز مما وصل إليه المستوى الأخلاقي العام من قدرةٍ على إبداع الحضيض تلو الحضيض.

تدبير حوار الخلاف

وبلغةٍ مرهفةٍ تعكِسُ فيما وراءها صِدقاً يلمَسُهُ القارئ، كتب درويش في ذات المقال: حين استُشْهِدَ ناجي العلي، سَقَطَتْ من قلبي أوراق الأغاني لتسكُنَهُ العتمة. الاختناق في حواسّي كلها، لا لأنَّ صديقاً آخر، صديقاً مبدعاً، يمضي بلا وداعٍ فقط، بل لأن حياتَنا صارت مفتوحةً للاستباحة المطلقة، ولأن في وسع الأعداء أن يُدَبِّروا حوار الخلاف، بيننا، إلى الحدود التي يريدونها، ليعطوا للقتيل صورة القاتل، التي يرسمونها، وليتحوَّلَ القتلة إلى مشاهدين.. لذلك، فإن اغتيال ناجي العلي، في لحظة الخلاف العائلي العابرة، هو جريمةٌ نموذجيةٌ أتقن الأعداء صناعتها، بقدرتها على تأويل جرائم أخرى ليس أقلَّها دناءةً التشهير بتربيتنا الأخلاقية، بل محاولة مَنْعِنا من تطوير ما يُمَيِّزُنا، قليلاً، عما يحيط بنا من انحطاط، وهو: حق الاختلاف في الرأي، ومحاولة محاصرتنا بأحد خيارين: إما القطيع، وإما القطيعة!

وأكَّدَ درويش: كان في وُسْعِنا، ومن حقنا، أن نختلف وأن نواصل التعبير عن الاختلاف، في مناخٍ أفضل، على ما يعتقد كل واحدٍ منّا أنه الطريق، أو الأداة، أو اللغة، أو الشكل، الأقرب إلى بلوغ الحريّة والوطن، فذلك هو أحد مكوّنات حريّتنا الذاتية ووطنا المعنوي، وإحدى سمات نشاطنا الوطني المغايرة لامتثال القطيع. لذلك، فإن اختراق العدو جبهة حوارنا هو محاولةٌ لإيصال العلاقة بين من استعصَوا على أن يكونوا قطيعاً إلى علاقة القطيعة!

لنا ومنّا

وكان درويش حاسماً، حين كتب: الوفاء لشهدائنا ولذاتنا لا يتم بالقطيعة، بل بتطوير مضامين هُوِيَّتنا الديمقراطية، وخَوض معركة الحرية، ومعركة الديمقراطية، داخل الحالة الفلسطينية، بلا هوادةٍ وبلا شروط. فلا الورد الملكي يبكي علينا، ولا مسدسات الاغتيال ولغة الاغتيال تجهز من أجل الوطن! .. فلماذا يغتالون الشهداء مرةً ثانيةً، بأن يُضفوا عليهم هويةً ليست منهم، إن ناجي العلي لنا.. منّا، ولنا … لنا.

وتابَعَ: لذا ليس من حق سَفّاحي الشعب الفلسطيني أن يسرقوا دمعنا، ولا أن يخطفوا منا الشهيد. فهذا الشهيد الذي كان شاهداً علينا هو شهيد ثقافتنا، شهيد الطرق المتعددة إلى الوطن، وهو أحد رموز الرأي المغاير داخل الحالة الفلسطينية المغايرة لما يحيط بها من قمع.

إن ناجي العلي أحد مهندسي المزاج الوطني، وهو أحد نتاجات الإبداع الوطني، هو ابننا وأخونا ورفيق مذابحنا وأحلامنا، وخالق “حنظلة” الخالد، القادر على أن يُسَمّي هويَّتنا بتأتأةٍ تُضْحِكُنا وتبكينا. لقد رحل، ولكنه خلَّفَ تراثاً هو تراثنا الاجتماعي، تراث شعبٍ يتكوّن بكل ما يمتلك من وسائل التكوّن.

صرخة درويش

ورفع درويش صوته صارخاً في “كان يرسم .. كنت أكتب” بأنه: “من الطبيعي أن يتكاثر الذباب حول الدم؟ فهل أخذ الذباب وقتاً كافياً ليعتاشَ من دمنا المسفوك في كل ناحية؟.. كفى، كفي…”، مشدِّداً على أن “تعميم إبداع ناجي العلي على جيل اليوم وعلى جيل الغد هو مهمتنا، وتكريم هذا المبدع المتميز هو واجبنا. ومن كان منا بلا خطأٍ أو خطيئةٍ، فليطبق بصوابه المطلق على عمرنا كله”، مقترِحاً في نهاية مقاله بـ”تشكيل لجنة وطنية لتخليد ذكرى ناجي العلي، الذي أمضى عمرَهُ حاملاً ريشَتَهُ الفذة، حافراً في كل صخرٍ اسم وطنه، الذي يستعصي على النسيان، الاسم المنذور للنصر”.

آخر الرجال في بيروت

وكان درويش بدأ مقالَهُ بالإقرار: لا أعرف متى تعرَّفْتُ على ناجي العلي، ولا متى أصبَحَتْ رسومُهُ ملازمةً لقهوتي الصباحية الأولى. ولكنني أعرف أنه جعلني أبدأ قراءة الجريدة من صفحتها الأخيرة. كان آخرَ من رأيتُ في بيروت بعد الرحيل الأخير إلى البحر.. كانت بيروتُهُ الأخيرة وردةً تبكي، وكان يسخرُ من نفسه لأن الغزاة في صيدا ظنّوه شيخاً طاعناً في السن بسبب بياض شعره، سألَني إلى أين سأرحل، قلتُ: سأنتظر إلى أن أعرف.. وسألتُهُ إن كان سيبقى، قال إنه سينتظر إلى أن يعرِف.

ويُعتبر ناجي العلي (1937 – 1987) أهم وأبرز رسّام كاريكاتير فلسطيني، وُلِدَ في قرية الشجرة في الداخل الفلسطيني المحتل العام 1948، وعاش لاجئاً في مخيم عين الحلوة في الجنوب اللبناني.

واكبَ العلي صعود الحركة الوطنية الفلسطينية، وعبَّرَ عنها، وخاض صراعاتها ومعاركها كفنّان وراء قناع “حنظلة”.. الشخصية التي ابتكرها بموهبةٍ نادرةٍ، وروحٍ متقدةٍ، وكفاءةٍ مِهَنيةٍ عاليةٍ. وانحاز إلى الفقراء والمقاتلين على طريق الحرية والكرامة والتحرير، لا في فلسطين فحسب، بل في كل مكانٍ آخر أيضاً.

انتقد القيادة الفلسطينية، وسياسة منظمة التحرير بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان العام 1982، وكان قد اشتغل في الصحافة اللبنانية والكويتية، واغتيلَ في لندن.. وقد حاولت أطرافٌ معارضةٌ لمنظمة التحرير الربط بين نقد ناجي العلي اللاذع للمنظمة وبين عملية الاغتيال، وهو ما عبَّر عنه درويش في المقال بالقول “كان الأعداء يسترقون السمعَ إلى هذا الخلاف.. كانوا يضعون الرصاصةَ في المسدس.. كانوا يصطادون الفرصة”.

هذا وصدرت مقالات “اليوم السابع” في كتابٍ عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، مؤخراً، حيث أعدَّها وحرَّرها وقدّم لها حسن خضر، الذي شدَّدَ على أن هذه المقالات “تستمد أهميتها من حقيقة أن صاحبها محمود درويش، وأنها غير معروفةٍ على نطاقٍ واسعٍ. وإذا كان في هذه الدلالة ما يكفي لتبرير إعادة نشرها، إلا أنها لا تختزلُ ما تنطوي عليه النصوصُ من دلالاتٍ إضافيةٍ. فإلى جانب النثر البديع، واللغة التي لا يخبو بريقها بالتقادم، ثمة شهادةٌ هنا على فترةٍ بالغة الحساسية في تاريخ الفلسطينيين، وهموم محمود درويش، ومشاغله الشعرية والسياسية، والمعيشيّة أيضاً. وهو الذي تضافرت عوامل عدّة كانت، في الغالب، أبعد وأعقد من خياراته الشخصية، لتجعل منه صوتاً فريداً ومتفرداً لشعبه”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى