موريتانيا ـ وثا\قي

الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

إعلان

 

عيادة الشافعي هاتف /26421580


 

لا للظلم

 

 

البحث

عن الجمهور والشارع والنخب
الاثنين, 13 نوفمبر 2017 09:11

كانت ضجّة العامة، ما نراه اليوم دهماويّة، عمليّة أساسية في التشكّل التاريخي للمذاهب الإسلاميّة الأولى. فالحنابِلة، وهم من أعاد تشكيل السنّة على منوال الحشوية، كانوا يُطبِّقون عدالة الشارِع.

وقد حاصروا الحارِث المُحاسَبي (ت 243هـ) ببغداد وحاصروا الطّبري (ت 310هـ)، مع أنّ هاذيْن كانا قريبيْن منهما (طبعاً المُحاسبي كان صوفياً؛ ولكن القطيعة ما بين المتصوّفة والحنابلة لمّا تقم بعد في هذا القرن). وبنهاية القرن الثالث للهجرة بدأ الدّهماويون يتغلّبون على البصرة، التي كانت معتزِليّة. وكما أوردَ التّنوخي (ت384هـ) قد قاموا بمظاهرات صاخِبة ضدّ رجل قال في السوق بخلق القرآن، السرديّة، التي لم تكن إشكالية في البصرة على طول القرن الثاني. وقد ردّ المعتزِلة بمظاهرة مُضّادة تمكّنوا فيها من إطلاق سراح المتكلِّم. وفي الغرب الإسلامي قام المالكيّة بعملية أرثودوكسيّة مثيلة من خلال نبذ ابن أبي شيبة (ت 235 بالكوفة) وضدّ ابن احزم (ت456هـ)، وضدّ المعتزِلة والظاهرية والأحناف.

والواقِع أن جزءً من موتِ عِلم الكلام كان قوّة الضجّة المجتمعيّة؛ وليس فقط ظهور الفلسفة على يسارِه وظهور الأرثودوكسيّة عن يمينِه، كما يُحلّل غالِباً. وقد عيّر عبد القاهر البغدادي (ت 429هـ) المعتزِلة بأنّه لا عامّة لهم (وهذا لم يكن صائِباً حتّى إيتان البغدادي، كما هو واضِح من تاريخ شمال المغرب واليمن ومرو وإصفهان وشيراز وإرمينية). ولكن الفكرة صائبة في أنّ الأيديولوجيات والقداسات الإسلاميّة التاريخية لم تقم فقط بالعقل الإفتائي والتداول القانوني، وإنّما بضجيج العامة. وقد حلّل ميلكرت هذه الظاهرة في دراساتِه.

2-

وأنا لا أسخِّفُ هدير الجمهور. فله دوماً وجاهة ما. والواقِع أنّ تصوّري لإصلاح الدِّيمقراطيّة هو جمهور ممارِس قادِر على الدّخول في السياسة يومياً من خلال التظاهر لمنع سرقة الدِّيمقراطيّة من قبل اللوبيات والسوق والمصالح الخاصّة.

إلاّ أنّ ما يوجد في موريتانيا اليوم برأيي، على استجابتِه الشكلية لأملي في جمهور نشط، ليس حركة جماهيرية، وإنما هو تحريكات نخبوية بالوكالة، استطاعت الاستفادة من انقطاع الجماهير من فهم العقل التاريخي الإسلامي؛ وأسلمَ فيها الشارِع نفسَه للعقول الافتائية وللكواليس الفِقهيّة والتواريخ الزاوية. وغنيٌّ عن القول إن هذه العقول الإفتائية والمُركّبات الفِقهية في غاية التمصلح والنُّخبوية.

إنّ الجمهور حيوي في الديمقراطيّة. ولكن ليس معنى هذا قتل التخصّص. فالجمهور لا يقدِرُ، بدون توسّطاتِه المتخصِّصة، أن يُقيم العدالة. وما هو أهَمّْ، لا يمكِنُه إنهاء النقاشات الفِكرية. فالعدالة والأفكار والدِّراسات هي مواضيع تُريد التأنِّي والتخصّص والتداول والمجالسة. وما يحدث الآن هو أنّ هنالك أشخاصاً لا يقدِرون على القِراءة؛ ويقضون جلّ وقتِهم في العبث والسّخف وتحليل الدربي الإسباني؛ ومع ذلك يُريدون تصحيح وتصويب ما يكتُبه المتخصِّصون، دون حتّى فهمِه أصلاً. وما يحدُث هو أن صفحات الرأي قد احتلَها نوكى نصّبوا أنفسَهم، بالوساطة والإلحاح، ضمائر الأمة. وما يحدُث هو أنّ المؤسّسات الإعلامية التي يُطلُّ منها الرأي الموريتاني (فرانس 24، مثلاً أو المواقِع الإخبارية والقنوات الموريتانية) تحتكر الرأي والنشر والكلام على الأكثر جهلاً وسُخفاً والأبعد تكويناً واستِحقاقاً. وعلى مدى سنوات صنع هؤلاء من حِبر أدمِغتِهم رأياً عاماً.

 

تدوينة من صفحة الأستاذ الشيخ التجاني ابراهام