المهنة المهملة

عبد الفتاح ولد اعبيدنفي الفترة الأخيرة ظهرت أغلب وسائل الإعلام المستقل في ثوب اقرب إلى الحياد، تغطي الأخبار وتحللها بأسلوب لا يخلو من قدر معتبر من الموضوعية، ومع مواصلة صحافتنا المستقلة هذا النهج، بدأت تفقد تدريجيا دعم السلطة، وبدأت تختفي بشكل شبه كلي الاشتراكات ودعم الصحف والمواقع، حتى الدعم السنوي تأخر بصورة -ملفتة للانتباه- رغم رمزيته!.

 

ورغم أن الصحافة المستقلة من أهم ما انتجته الديمقراطية الموريتانية فلم يمنع غياب التمويل والتكوين من أن يمثل هذا المرفق فرصة للتعبير شبه الحر، ولو أن بعضنا دفع الثمن، سجنا وحرمانا، ثم عمم الحرمان تقريبا، لأن السلطة ربما شعرت أن أغلب الأقلام -بمختلف مستويات الفعل الصحفي- تفضل الانعتاق بدل الارتهان والتبعية وخدمة مشروع الدولة العسكرية، الانقلابية القبلية.

ولان صحافتنا المستقلة بدأت تسير تدريجيا في اتجاه الحرية الجادة، رغم بعض المآخذ والنواقص، فقد بدأت تدفع الثمن، وخصوصا في الجانب المادي بشكل غال وظاهر جلي.

حتى أضحت الصحافة المستقلة -مع أهميتها وصبرها على الحصار- من أكثر المهن فقرا وإهمالا، فلماذا تعاقب منابر الحرية بهذه الصورة المتصاعدة الصريحة؟.

يبدو ان النخب والشعب الأعزل لا يكفي دعمهما المعنوي -بالقراءة والمتابعة- لتقوية الصحافة، خصوصا في جانبها التمويلي، فما دام الحاكم وملاك المال لا يؤمنون بالحرية وترسيخها وإشاعتها لبناء دولة القانون، فلن تتنفس الصحافة المستقلة الصعداء.

وبغض النظر عن الغرض فقد كانت الصحافة المستقلة أيام معاوية أحسن حالا من الناحية التمويلية، فقد كادت أن تشكل جزءا من طبقة متوسطة ناشئة، لدى بعض أفرادها القدرة على إصدار الصحف وإعاشة الأسرة وتعليم لأبناء، غير أن هذا الألق الذي تمتع به بعض الزملاء إختفى تدريجيا مع ابتعادنا زمنيا عن أيام ولد الطايع، رغم مالها وما عليها.

وفي وقت كان للأنظمة التي ظهرت من بعده حصتها من الوسط الصحفي، إلا أنها مع مرور الوقت لم تعد لها قناعة تقريبا بدعم أي من الإعلاميين المستقلين عموما، فتمحض الحصار والإهمال وعم الجميع تقريبا، وكانت الصحافة الورقية أكثر تأثرا.

ولتصبح هذه المهنة –عموما- هذه الأيام من أكثر المهن فقرا وإهمالا. لقد كان ولد الطايع في بعض خطاباته، يدعو إلى إلتفات رجال الأعمال للصحافة وضرورة الاستثمار فيها. أما اليوم فما من اهتمام رسمي- ذى بال- بهذه الساحة المحرومة المخنوقة ماديا.

ولا غرابة، فإذا كان المتنفذون -سياسيا وماليا- لا ترتبط مصالحهم الضيقة بهذا النفس الهام من الحرية فلن يقبلوا أن تتوجه إليه الأضواء فمن باب أحرى الثروات.

إن هذا الواضع لا يليق بهذه المهنة الحيوية، وإذا استمر هذا المسار السلبي فسينعكس على المشروع الإعلامي المستقل، الذي تفتخر به الدولة دوريا، بترتيبه عند منظمة مراسلون بلا حدود وغيرها، وعلى مستوى الوطن العربي بوجه خاص.

وهو اعتزاز لا معنى له، ما دام أرباب هذا القطاع لا يكادون يحصلون على مصروفهم اليومي، أولى مستلزمات جرائدهم ومواقعهم إلا بشق الأنفس، إن أمكن ذلك أحيانا.

ومن الغريب أن هذه الدولة تحرز أغلب اهتمامها الإعلامي الخارجي، بسبب بعض ما هو متاح من حرية التعبير، كما تستدعي التمويلات والقروض الغريبة، على دعوى وجود الحرية، وخصوصا الحرية الصحفية، وأحيانا يحصي الفنيون في وزارة التخطيط عندنا، في وقت سابق لائحة بأسماء جميع الصحف، التي تصدر، وأحيانا التي لا تصدر، ويأتي التمويل، ويكون بعضه من حظ الصحافة الرسمية فقط، مع غمط كامل لنصيب الصحافة المستقلة.

وعندما أقر دعم رمزي، ذهب جانب معتبر منه إلى جهات أخرى إعلامية رسمية وتأخر كثيرا هذه السنة، التي أوشكت على الإنتهاء دون دفعه للمعنيين.

إذن لا توجد إرادة جادة لخلق صحافة حرة حية، لان غياب التمويل يعني غياب الوسائل، مما يحول المشروع الإعلامي المستقل إلى مجرد جهود فردية، قد لا تكاد تصمد طويلا في وجه الإهمال والهزال المتفاقم.

ورغم عدم وجود مؤشرات لتجاوز هذا الوضع المأساوي الذي تعيشه صاحبة الجلالة، فإنه من المرجح أن لا يتراجع عشاق المهنة المهملة عن ساحتها، لكن هذا قد لا يكفي -على وجه راجح-  لبناء إعلام حر حي، فالعائق المالي من أخطر تحديات ومخاطر مهنتنا بصراحة، وخصوصا الصحف، ولقد تدخلت دول في الإقليم المغاربي لإنقاذ صحافتها الورقية، إلا أن حكومتنا لم تقدم بعد على مثل هذا الإجراء الضروري الملح.

وفي انتظار مراجعة المعنيين لمواقفهم القاسية ضد هذه المهنة المنيرة للرأي العام، أدعو الزملاء للتحرك لطرح معاناتهم التي هم أعرف بها، ويعيشها أغلبنا إن لم يكن كلنا.

فالسكوت على الإهمال والغبن لن يزيد مهنتنا إلا ضعفا وتفككا، قبل أن يصل الحال إلى حد لا يحتمل وأحسب أن جل المعنيين وصلوه.

جدير بكم أن تتكلموا بصراحة، فمهنتكم مهملة فعلا وبامتياز، ومع ذلك يستغلها النظام لتجميل ذاته وإدعاء المصداقية.

فلو توقفت المواقع والصحف -ولو مؤقتا- فستكون ضربة منبهة لهذا النظام الذي يستغلنا ويمنعنا القوت المستحق، وسيكون هذا الأسلوب الاحتجاجي السلمي، ربما طريقا لتخفيف الوطأة والخناق.

موضوع يستحق التأمل والنقاش الجاد الموسع، عسى أن تتحسن وضعية هذه المهنة الإعلامية المهملة وبحق، وبذلك تتحسن -ولو نسبيا- وضعية المشتغلين بساحة الحرية، من أجل مزيد من الوعي والتنمية الشاملة، التي قد تخدم الاستقرار وروح الحوار والتفاهم.

أما أن يستغل رسميا هامش الحرية المحاصر ماديا، ولا نبذل أي جهد عملي مهم لإخراج الإعلام المستقل من عنق الزجاجة فتلك قمة التناقض.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: