حديث السبت: تونس المعركة الاصعب

Mohamed-Beddy-E.777د. محمد بدي ابنو -1- قد يكون أهمّ ما في الثورة التونسية هي انها ليست ثورة. أو ليستْ ثورة بالمعنى التقليدي للكلمة. صحيح أن سوسيولوجيا التحول السياسي بمختلف تياراتها واختلافات تعاريفها للثورة تقرّ بحجم الفروق الجذرية، أسبابا ومسارا ونتائجَ، بين الإحداث التاريخية التي يُطلق عليها عرْفيا اسم الثورة. ولكنّ هنالك ثابتا رافق ما سُمي بالثورات الحديثة منذ القرن السابع عشر : العنف المادي الدموي. الثورة التونسية حتى إشعار جديد نجحتْ نسبيا في تفادي العنف المادي. أو لنقل إنها أبقتْه في حدّه الأدنى.

الفضاء العمومي التونسي أثبتَ أن لديه قدرة  معتبرة على التعايش، أي على عقْـلنة التداول العام. ورغم أن هذه القدرة بطبيعتها بالغة النسبية، خصوصا في مثل هذه الظروف الانتقالية، ورغم أنها عانت اهتزازات كثيفة حتى كادت ان تنهار في العديد من المناسبات، الا أنها برهنتْ بهذا المسار الصعب على قدرتها على المقاومة. أحد الأسباب المباشرة لهذا النجاح أن المجموعات الاستئصالية  ـ وهي موجودة لدى كل الأطراف الفاعلة في تونس ـ ظلّتْ على هامش المسار الانتقالي. أو على الأقل لم تستول كليا على المسار، لم تنجح في مصادرته لصالح مواجهة حدية قاتلة كما حدث منذ ثلاثة عقود في الجزائر وكما يحدث الآن في مصر. وتمثيلا لا حصرا منذ بداية المسار الانتقالي حرص الفاعلون الأساسيون في تونس (النهضة، وحلفاؤها ومناهضوها) على تجاوز مستوى ما من ثانية علماني/ إسلامي كثنائية قاتلة ومزيفة يتخـبّط فيها العالم الإسلامي منذ نصف قرن. كنت كتبتُ إبّان الانقلاب في مصر أن ” طبيعة الوضع الثوري أو ما بعده تقتضي الحرص على أن يكون أكبرُ قدر من الشركاء في الثورة شركاءَ في القرار السياسي وضامنين له ومدافعين عنه بغضّ النظر عن حجمهم الاقتراعي الرقمي أو الكمي. فالآلية الرمزية الكيفية للثورة هي أمر أكثر تعقيدا بكثير من أن يَتمَّ اختزالها بسذاجة في الأبعاد الكمية الخام للأرقام الاقتراعية. هذا ما يبدو أن حزب النهضة في تونس يعيه ويأخذه على محمل الجد بمستوى معتبَر وما يبدو أن الرئيس مرسي ورفاقه في مصر لم يعوه بعدُ بما فيه الكفاية. ” (الجزيرة نت، 17/7/2013). التداعيات الأخيرة أثبتتْ ـ مرحليا على الأقل ـ أن تونس استطاعتْ أن تتفادى نسبيا قبضة الثنائيات الاستئصالية المهيمنة. استطاعتْ أن تتفادى مثلا ثنائية التطرفين الديني واللاديني الذين يهددان المنطقة والذين يَصْدران عن نفس البنية الذهنية. كلاهما يقوم على الرغبة في إلغاء الآخر وكلاهما يعتقد أن ذلك ضرورة  “دينية” أخلاقية وسياسية. -2- كثيرون هم من انتقدوا الفيلسوف الراحل (ميشيل فوكو) عندما أظهر احتفاءه بالثورة الإيرانية وبما سماه “الروحانية السياسية” حين كان يغطي صحافيا أحداث سقوط الشاه. ذكّروه خصوصا بأنه كان قبل الثورة الإيرانية شديد النقد لما يراه “قوة غامضة لـمفاهيم غامضة” مثل “الثورة والإيديولوجيا”. وهو في الحقيقة كان يَعتبر حينها أن أنموذج أو “بارادايم” الحداثة كله قد انهار. ثمة احتفاء آخر أقل شهرة لـ(ميشل فوكو) ولكنه ربما أكثر دلالة اليوم. عندما كانت المظاهرات الطلابية تعم فرنسا وأوربا سنة ١٩٦٨ كان فوكو أستاذا في تونس العاصمة. كان فيما سماه “بلد القديس أغسطين وهانيبال” الذي “باركه التاريخ”. تضامن مع حركة طلبتها حتى أنخرط في بعض نشاطاتهم وتعرّض لمضايقات الأمن. كتب لا حقا : “كانت تجربة سياسية حقيقية بالنسبة لي.” أخذ حينها يُمجّد حركة الطلاب في تونس “الذين يُعرضون أنفسهم لمخاطر حقيقية” في نفس الوقت الذي كان يسخر فيه من الطلاب الفرنسيين ومظاهراتهم :” أطفال مدلّلون يعرفون أنهم لا يواجهون بمظاهراتهم أي مخاطر.” غير بعيد عن العاصمة التونسية (سيدي بوسعيد) ألّفَ كتابه الشهير “أركيولوجيا المعرفة.” حين سئل بعد عودته إلى فرنسا سنة 1969 إن كان قد أثاره شيء ما في تونس، أجاب أن ما لفت انتباهه هو الرغبة في المعرفة : “شيء لم أره إلا في البرازيل وفي تونس″. أهي فقط “لباقة” في التعبير  لدى أوربي لم يكن يتوقع أن يرى جنوب المتوسط شيئا آخر غير زرقة السماء ووحشية الناس والطبيعة؟ ليس من شكّ في أن هذه العبارة لم تكن فقط مجاملة “متعالية”. بقي سؤالان مرتبطان. هل تمثل الثورة التونسية نوعا مما سماه (هابرماس) سنة 1989 بالثورات العلاجية وهو يتحدّث حينها عن أحداث أوربا الشرقية؟ بعبارة ثانية هل إن النموذج الليبرالي هو الأفق، البعيد أو القريب، الذي تتوق إليه التجربة التونسية كنوع ما من تحققّ نبوءة (فوكوياما)؟ من العسير بطبيعة الحال أن نجيب هنا بالنفي أو بالإثبات ولكن مع ذلك تبدو تونس ـ على الأقل منذ أحداث سيدي بوزيد ـ حريصة على تحجيم الإدعاءات التنبئية للأدبيات السياسية التقليدية. في المستوى الأهمّ، هلْ فيما يجري ما يمكن أن يشير على الأقل إلى أن المشروع التحديثي لخير الدين التونسي ـ أو الذي كان خير الدين أبرز أسمائه التونسية  في القرن التاسع عشر  ـ لم يذهب تماما سدى؟ في مقدمة كتابه “أأقوم المسالك” لخّص خير الدين مشروعه بعبارة ” “توسيع دوائر العلوم والعرفان، وتمهيد طرق الثروة من الزراعة والتجارة، وترويج سائر الصناعات، ونفي أسباب البطالة”. لنا أن نتفاءل بمستوى ما. فتونس ماتزال شابية، ما تزال فيها إرادة الحياة تبدو أقوى من نزوة التدمير التي تجتاح المنطقة. * مدير مركز الدراسات والأبحاث العليا في بروكسيل  

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: