شهادة صديق*

altعرفت الصديق الكاتب والشاعر محمد ولد عبدي منذ ربع قرن تقريبا، أي منذ أن عاد من المغرب حاملا شهادة ختم الدروس، في الأدب العربي، باحثا عن موطئ قدم ينطلق منه إلى آفاق الحياة الكريمة في بلده،  فضاق به حينها بلده رغم اتساعه، قبل أن يسعه المنفى الاختياري الرحب.

كنت يومها أعد عملا عن التجديد في الأدب الموريتاني الحديث، فأطلعني على مدونته الشعرية الأولى التي ما زالت مخطوطة حينئذ، وقد اختار لها عنوان(الغول)، تعبيرا رمزيا عن القلق والإحساس بالكارثة والهول، وهو عنوان إحدى قصائد المجموعة، ولعله غيّر العنوان بعد ذلك إذ نشرت المجموعة من بعد بعنوان آخر هو: (الأرض السائبة)، أخذت من الصديق صورة من مخطوطته، وقرأتها فأعجبني، فيها الخروج عن مألوف الشعر الموريتاني يومئذ من حيث لغتها الرمزية القائمة على الإيحاء والاستعارة الموسعة، ومن حيث رؤيتها النقدية التي تعمل مشرطها الحاد في جسم بنية اجتماعية عشائرية محنطة منذ القرون، فجعلتها من مدونتي التي أجريت الدراسة عليها، رغم أنها لم تنشر بعد، وأنها باكورة عمل صاحبها، وهي لهذين العاملين  ستبقى عرضة للتغير، لكنها كانت وعدا أكيدا لا لبس فيه، بميلاد تجربة جديدة في سياقها الزماني والمكاني، تجربة تحمل رسالة محددة قوامها نقد البنية الاجتماعية العشائرية المتحكمة التي تعوق المجتمع الموريتاني عن التطور، بلغة رمزية ناعمة الملمس، قوية القبضة تغرز إبرها في العمق.

وعلى امتداد أكثر من عقدين من الزمن ظل الكاتب ملتزما بهذا الخط الفني والفكري، كما هو جلي في أعماله الإبداعية: مجموعاته: (الأرض السائبة1995) و(كتاب الرّحيل + الفصوص 2008) و(برك الكلام 1989) ونصوصه(شقاق الطين 2010) و(صبوات المداد 2013)… وفي أعماله النقدية، خاصة: (ما بعد المليون شاعر1999) و( السياق والأنساق 2008).

ولئن تطور الرجل، وشب عن الطوق، و”تَدَكْتَرَ”، ونضجت لديه الرؤية الفنية والفكرية عبر هذه الأعمال، فإن هذه الرؤية لم تنحرف عن خط المسار الذي سلكته منذ بدئها. والإبداع استمرار والتزام، والالتزام أمانة وتحمل ووفاء أو لا يكون.

ترحل الشاعر عن بلده لما لم يجد موطئ قدم كريم فيه، وعاش في منفاه الاختياري بالخليج العربي أكثر من عقدين من الزمن حتى الآن: مقر عمله بأبو ظبي، ومستقر أسرته بالحجاز، ولعل منفاه لذلك، مستمر إلى ما شاء الله، ولكن لا يظهر أن شيئا من ذلك فت في عضده، أو ألهاه عن تحمل رسالته، فهو حاضر في وطنه، بكتابته، بكلماته، بإطلالاته من وقت لآخر، مما يشهد له أن بلاده عليه عزيزة، وأن حقها عليه في الإسهام في انتشالها من وحل القرون، الذي ما زالت ترسف في بركه، وتئن تحت نيره، حق مصون. 

وسواء أعاد الرجل بجسمه إلى وطنه الأم، أم لم يعد، فإن كلماته حاضرة به، باقية فيه، والكلمات هي الباقية في النهاية.

 

·       أ د. محمد عبد الحي

ملاحظة: كتبت هذه الشهادة بتاريخ 4/4/2013، ولعلها مازالت صالحة بعد انتقال الرجل إلى جوار ربه في منفاه الاختياري 28/12/2014، أي بعد كتابتها بستمائة وثلاثة وثلاثين يوما بالتمام والكمال، رحمه الله رحمة واسعة.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: