قراءة في تقرير “فايننشيل تاميز” الاقتصادي حول موريتانيا

altنظمت جريدة لفايننشال تاميزFinancial Times بالتعاون مع الحكومة الموريتانية ممثلة بالسفارة الموريتانية بواشنطن حفلا لنقاش الأرقام والمؤشرات الإقتصادية التي أشاد بها التقرير الإقتصادي السنوي للمجلة والذي كان الأول من نوعه حول موريتانيا.

 

جاء التقرير ليؤكد زيادة التطور الاقتصادي في موريتانيا بنسبة 7.4% خلال العام 2013 في حين كان من المتوقع ان يصل الى 6.7% وكذلك زيادة الناتج القومي المحلي بالنسبة للفرد GDP per capita الى 1100 دولار امريكي للشخص.

 

كان الحفل مناسبة للحديث عن الإقتصاد والإستثمار والتوقعات التنموية في موريتانيا كما كان فرصة لمشاركة بعض الفاعلين والشركاء الإقتصاديين لموريتانيا من أمثال وزير المالية السعودي ابراهيم العساف و ممثلة البنك الدولي في موريتانيا وممثل الفايننشل تاميز الخاص بإفريقيا والشرق الأوسط السيد دافيد ابلفيلد وبعض المستثمرين الأمريكيين مثل السيد توم كيبسون، هذا بالاضافة الى مداخة الدكتور سيدي ولد ببها ولد التاه، وزير الشؤون الإقتصادية والتنمية الموريتاني.

 

تحدث الوزير الموريتاني عن ارتفاع مؤشرات التنمية في البلاد بحيث “اصبحت موريتانيا قوة اقتصادية وسياسية في المنطقة”. وقد أكد الوزير أن نسبة البطالة في موريتانيا تراجعت من 31.5% الى 10.8% في 2013. وأشاد الوزير أيضا بتطور البنى التحتية للبلاد والأمن والحريات العامة مثل الصحافة والتعبير والسياسة والتنمية البشرية ودمج المرأة في عملية صنع القرار.

 

بعد حديث الوزير اعتلى وزير المالية السعودي السيد ابراهيم العساف المنصة وتحدث عن امتنان السعودية للعلاقات الإقتصادية مع موريتانيا وقال إن “الحكومة الموريتانية لايمكن أن تحقق النمو الإقتصادي بمفردها ولذلك فإن السعودية تتطلع للمشاركة في عملية البناء والتنمية في موريتانيا من خلال الإستثمار في المناجم والزراعة”. وقد ذكر أيضا الوزير أن السيد الرئيس محمد ولد عبد العزيز ذكر له خلال إجتماعه الأخير به أنه “يريد أن يجعل من موريتانيا ليس فقط بلاد المليون شاعر، بل أيضا بلاد المليون فرصة اقتصادية”. وقد أكد الوزير السعودي على إصرار الرئيس عزيز على تحقيق ذلك.

 

في حين تحدثت ممثلة البنك الدولي في موريتاني عن ثقة البنك الدولي والشركاء الدوليين في الحكومة الموريتانية الحالية وانهم يثمنون إنجازاتها من حيث الأمن وتحقيق الإستقرار في المنطقة كما تجلى ذلك في الدور المحوري الذي لعبته موريتانيا في الأحداث الأخيرة في مالي ومنطقة الساحل بشكل عام.

 

وقد أكدت الممثلة ان هذه الثقة ترجمت في القروض والاستثمارات التي قام بها البنك الدولي والتي هي الآن قيد الإنجاز من خلال تخصيص 8 ملايير دولار لدعم الزراعة واستصلاح 15000 هكتار من البلاد الصالحة للزراعة في موريتانيا. وقد اشادت بالشركة الوطنية للصناعة والمناجم –سنيم- ، التي تعتبر من اهم الشركات في المنطقة خصوصا من خلال برنامجها الطموح الذي أطلقت عليه “النهوض” والذي يسعى الى زيادة انتاج الشركة ليصل الى 40 مليون طن في افق 2025 والذي سيجعل من سنيم واحدة من اكبر 5 شركات في العالم.

 

لكن مفاجأة الحفل تمثلت في إعلان “الوسيط التجاري” الأمريكي توم كيبسون عن إنشاء شركة لتصنيع الطائرات في موريتانيا ابتداءا من العام الماضي. فقد أكد توم كيبسون انه التمس في لقائه مع الرئيس عزيز منتصف 2012 رغبة الحكومة الموريتانية في تحقيق النهوض الإقتصادي والإستقرار السياسي. وقد قال غيبسون ان الشركاء الأمريكيين سيقومون بإحضار المعدات اللازمة وتكوين الفنيين الموريتانيين على تصنيع الطائرات، وهو المشروع الذي يكون في البداية ذو أغراض عسكرية ليتم تطويره بعد ذلك الى التسويق في المنطقة. جدير بالذكر ان السيد توم غيبسون هو شريك للسفير الموريتاني في واشنطن السيد محمد الأمين ولد الحيسن.

 

اختتم الحفل بكلمة للسيد ديفيد ابلفيلد ممثل مجلة Financial Times والذي قال إن هذا التقرير الإقتصادي عن موريتانيا سيكون سنويا لتحديث ومراقبة الحالة الإقتصادية في بلد كموريتانيا والتي تعتبر منطقة استراتيجية تزخر بالكثير من فرص الإستثمار والتنمية الإقتصادية. وأكد ان هذا التقرير سيمكن ايضا من التعريف بموريتانيا من خلال عدد القراء والمتصفحين للمجلة والذين يبلغ عددهم 10 ملايين قارئ ومتصفح شهريا.

 

مجرد خطوة في بداية الطريق:

 

من جهة أخرى، فإن القارئ للتقرير يلاحظ أنه أكد على شيء واحد مفاده ان الطريق مازال طويلا أمام الحكومة الموريتانية والتحديات مازالت قائمة. فقد قُسم التقرير الى اربعة أعمدة اساسية تناول الأول منها ملامح التطور الاقتصادي في الإطار السياسي والثاني ركز على التحديات الإقتصادية التي تقف عقبة أمام النهوض الأمثل للبلاد، أما العمود الثالث فقد ركزعلى فشل الإستفادة من عائدات البترول التي لاتكاد تذكر مطلقا. في حين ان النقطة الرابعة من التقرير تناولت طموحات وتوقعات التسوع الاقتصادي والصناعي لشركة اسنيم. وسلطت الضوء على المفارقات الإقتصادية في الدولة الموريتانية وكيف أن نسبة 42% من مجموع السكان تعيش تحت خط الفقر وتهددهم المجاعة. تناول التقرير ايضا عجز الحكومة عن الإستفادة من قطاع الصيد البحري و”الذي يعتبر ربما اكثر مردودية على الإقتصاد من المعادن”، حسب التقرير.

 

بناءا على هذا الإجمال سنحاول تفصيل النقاط الأربع التي وردت في التقرير دون الدخول في التفاصيل لكي نترك فرصة اكثر للمهتمين للإطلاع على التقرير بأنفسهم:

 

1- هناك تحسن لكن الطريق طويل:

 

“فترة من الإستقرار أدت الى زيادة في مؤشر التنمية لكن التمزقات الإجتماعية قد تقف عائقا امام تحقيق الجهود” هكذا افتتحت السيدة كاثرين مانسون كاتبة التقرير ملخصة بذلك الحالة الإقتصادية والإجتماعية في موريتانيا. وقد أكد التقرير خلال هذه الفقرة أهمية الدور المحوري الذي لعبته الحكومة الموريتانية في مواجهة الإرهاب وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والذي يعتبر، بالنسبة للمراقبين الدوليين، أهم مؤشر على قوة الحكومة واستقرارها وفرضها الأمن لتحقيق النهوض الإقتصادي. وقد تمثل ذلك في جلب بعض الفاعلين والشركات العالمية مثل كلينكور Glencore Xstrata و توتال Total . وقد جاء في هذه الفقرة قول المدير العام للبنك المركزي الموريتاني السيد سيدأحمد ولد الرايس إن “الرئيس عزيز رأى التأثير السلبي لسوء التسيير في الحكومات السابقة ولذلك لايريد أن يكون مثلهم”.

 

2- أوقات التحدي لإثبات الدولة: الاقتصاد يساعد لكن التنوع مهم

 

خصص التقرير مساحة كبيرة للشركة الوطنية للصناعة والمعادن–سنيم- من خلال التأكيد انها توظف 10500 شخص وتساهم بنسبة 47% من حجم التبادلات التجارية الخارجية و 25% من الناتج القومي المحلي GDP وكذلك في مقابلة مع المدير العام للشركة السيد محمد عبد الله ولد اوداعة الذي أكد عزم الشركة على زيادة صادراتها من 12 مليون طن حاليا الى 40 مليون طن في افق 2025 لتصبح بذلك من بين اكبر 5 شركات في العالم.

 

أشاد التقرير بإرتفاع مؤشر الناتج القومي المحلي الى 19% بدل 12% وكذلك التحصيل الضريبي الذي نجح في جمع الضرائب بنسبة 100% خلال العام الماضي.

 

لكن بالمقابل يرى التقرير ان الجو العام للاقتصاد لازال ضعيفا جدا بسبب عدم تشجيع القطاع الخاص ومنحه الضمانات الكافية للنهوض بالقطاع. وأيضا السياسات الإرتجالية التي تقوم بها الحكومة مثل إنشاء منطقة تجارية حرة في نواذيبو والتي لن تقوم بأي دور دون وضع خطة متكاملة لتفعيل الدور المحوري للناشطين الاقتصاديين المحليين.

 

3- البترول في موريتانيا: فشل في الحسابات والتوقعات

 

في هذه الفقرة ركز التقرير على فشل توقعات الحكومة من عائدات البترول. وقد ذكر ان الحساب البنكي الخاص الذي تم فتحه في باريس-فرنسا لايحوي الآن سوى بضعة عشرات ملايين وهو الشيء الذي يعتبر فشلا في الحسابات الإقتصادية للبلد. وقد قال السيد سيد أحمد ولد الرايس “لقد قمنا بإنشاء هذا الحساب لأننا كنا نتوقع عائدات كبيرة للبترول وهو الشيء الذي لم يحصل لأن العائدات والأرقام لازالت ضعيفة.”

 

يؤكد التقرير ان ملف البترول يسيئ للصورة السياسية للدولة لأن شركة وود سايد Woodside الزمتها الحكومة الموريتانية 2005 بإعطاء مبلغ 100 مليون دولا كمقدم انتاج وهو المبلغ الذي لم تستطع الشركة ربحه من البترول الموريتاني ولذلك اضطرت لبيع حصتها والتنازل عنها للشركة الماليزية بتروناس. لكن السؤال المطروح هو لماذا قامت الحكومة الانقلابية العسكرية آنذاك برئاسة اعل ولد محمد فال بسحب المبلغ كاملا واستخدامه للأغراض شخصية؟

 

تخلص هذه الفقرة الى ان هناك حاليا اكثر من 10 شركات عاليمة لتتنقيب عن المعادن في موريتانيا من بينهما الشركة الفرنسية توتال والاسبانية رسبسول Respsol.

 

4- الصيد والزراعة والتنمية: عوامل افضل من المعادن

 

من بين النقاط المثيرة للشفقة التي ركز عليها التقرير هي أن اقل من 5% من مجموع الصيد في موريتانيا يتم تحميلها ومعالجتها في موريتانيا في حين ان المغرب نجحت في فرض قراراتها على الاتحاد الروبي في تحميل ومعالجة اغلبية الصيد داخل البلاد. لذلك موريتانيا تعاني كثيرا من هذا الخلل الذي يؤثر سلبا على الدولة والاقتصاد ويسبب عجزا كبيرا في الناتج القومي المحلي.

 

ذكر التقرير ايضا ان الدراسات أثبتت ان السفن الأجنبية تتسبب بأضرار بليغة للبيئة وإحتياط الصيد لأن “ماتقوم سفينة اروبية واحدة بصيده في يوم واحد يعادل ماتقوم بصيده 56 سفينة موريتانية تقليدية خلال العام”. لذلك هناك خطر كبير على مستقبل الصيد البحري في موريتانيا.

 

في حين ان الصيد البحري يحتاج الى اصلاحات كبيرة لتجعل منه محركا وعاملا اساسيا للإقتصاد الموريتاني، فإن الزراعة وتنمية المواشي هي ايضا تواجه تحديات كبيرة. لأن الصيد والزراعة لايساهمان فقط في الإقتصاد بل كذلك في تحقيق الأمان الغذائي للمواطنين الموريتانيين الذين تهدد المجاعة نسبة 25% منهم.

 

يخلص هذا الفصل من التقرير الى تضاعف سعر القمح بوصوله الى 188 اوقية للكيلوغرام الواحد مقابل العقد الأخير. لأن القمح يعتبر عنصرا مهما للغذاء في موريتانيا لدخوله في المأكولات اليومية مثل الخبز والكسكس. وكذلك زيادة اسعار اللحوم التي تعتبر من اهم مصادر لبروتينات في موريتانيا وزيادتها الى 1577 اوقيه للكيلوغرام الواحد وهي زيادة بنسبة 130% بالمقارنة مع الأسعار في العقد الأخير.

 

ملاحظات سياسية:

 

– من ناحية أخرى فإن التقرير تناول قضية العبودية واعتبرها عائقا حقيقيا وتحديا في وجه أي نهضة وتنمية اقتصادية وسياسية في موريتانيا. فقد أكد التقرير ان الخطط السياسية للحكومة الحالية مبنية على النفعية ومحاولة إرضاء الجميع دون تحديد مواقف سياسية واضحة وهو الشيء الذي يحسب ضدها.

 

  يرى معظم المراقبين للحالة السياسية والإقتصادية في موريتانيا انه هناك مفارقة تحتاج للتوضيح والنقاش تتمثل في اعلان الأرقام الإقتصادية المرتفعة و التبجح بتحقيق نسبة نمو معتبرة لكن كل هذا التقدم والنمو لاينعكس على ظروف المواطنين اليومية. حتى ان البعض ذهب الى التشكيك في صحة هذه الأرقام لأنها لاتثبت نفسها من خلال الوضعية الصعبة والظرفيه الاقتصادية المزرية التي يمر بها البلد.

 

– الحكومة الموريتانيىة تتصرف في تسييرها للميزانية وكأنها تخاف الإفلاس أو كأنها تسير مؤسسة خاصة قيمتها الإقتصادية الحقيقة في رقم أو قيمة السيولة التي تمتلكها، بينما هذه الطريقة تعتبر فاشلة اقتصاديا. فالدولة يجب ان تستثمر الأموال وتضخها في المشاريع الصغرى والمتوسطة والكبرى ليستفيد المواطنون وتستمر الدورة الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: