“دواعشنا” أشد فتكا في بلاط شرود النخب / الولي ولد سيدي هيبه

“مَا صَابْ إعيشْ إرَبِ الريشْ” – مثل حساني – إن أكبر المشاكل التي تعاني منها موريتانيا من قَبْل داعش و الغرب و الحوثيين و القاعدة و الشيعة و السنة و البعثيين و الناصريين و الإخوان و الأقباط و الطوارق…

واللائحة تطول، تتمثل في كون نخبها – و هي البعيدة عن مركز اهتزازات مناطق تلك التوجهات و الملل التي يبحث أهلها عن توازنات مفقودة في خضم خلافات أهلها المزمنة و تنوع مطالب أعراقهم و فصائلهم  و توجهاتهم الدينية و السياسية و الخصوصية الثقافية على اختلاف المقاصد – شاردة الأذهان لا تنظر تحت أقدامها حتى تتجنب السقوط في حفر و مزالق السير، و إنما تنظر شاخصة أبصارها إلى السماء التي تحرقها شمسها في كل يوم من أيام الله بأشعة “بلوى” واقعها المتمرد على الزمان و الجامد في المكان، و تأبى أن تعترف بأن حقيقة ما تعانيه البلاد هو إثم تقترفه بإرادتها و تنفثه أنفسُها في عقدها التي تشل حركتها و تزيغ بصرها.. لا غير. و إذ حال واقع البلاد الفريد في ضعفه جملة و تفصيلا – باستثناءات هي مع ذلك أقلها شأنا و إن شابهتها – تُغني كما يقال عن السؤال في غياب أية لغة قادرة على الإجابة عنه اللهم وحدها لغة الصمت المعجزة هربا، فإن المطلوب و بإلحاح من الساسة و المثقفين إن وجدوا و الواعين من أفراد الشعب و تجمعاته على تفاوت درجات وعي و إدراكهم، أن يغيروا ما بأنفسهم قبل فوات الأوان و أن يتداركوا ما يمكن تداركه من بقايا كيان صنعه الاستعمار الفرنسي ذات يوم بفكر “كبلاني” في مضمار سعيه و على لسانه إلى استقدام أنوار “التحضر” إلى هذه البلاد “السائبة”. و بالطبع فليس انتشال كيان لم يؤمن أهله يوما بقيامه رغم كل المظاهر التي صاحبته بالأمر الهين المستطاع إذ كيف، مرة أخرى، ببناء نفسية جديدة مستضيئة بأنوار الثورات التاريخية التي طردت أشباح و وساوس الإقطاعية و الرجعية و الجهل و الخرافة من أغوار العقليات البدائية، تعتنق المفاهيم الجمهورية بأبعادها و في سياقاتها و مفاهيمها الوحدوية والتنموية و الديمقراطية، على أنقاض عقلية تؤمن بالفوضى عقيدة و لا تقوم إلا في ظل سطوة الفرد القاهرة على الجماعة و قوة الجماعة على غيرها بالقهر و الإذلال و الإقصاء و الغبن في معادلة ظالمة مبنية على الحيف اللامتناهي؟ و لما كانت الدولة التي صنعها الاستعمار الفرنسي و لغايات خطط لها في استشراف قوي بارع و واعي بمصالحه في المستقبل البعيد، قد قامت و تولى من بعد ذلك المتعلمون من أبنائها زمام أمرها و تدبير شؤونها فإنهم لم يلبثوا أن سخروها لمقتضيات عقليات و مفاهيم و ممارسات لم تفارق عقولهم لحظة و لم تغير قدر مثقال من ذرة في تركيبة نفسياتهم الموروثة. وهي كذلك الحقيقة المرة التي لم يغير فيها شيئا ولوج جيلين في بحر نصف قرن يزيد إلى التعليم بكل مستوياته و في شتى آفاقه و احتكاكهما بكل التيارات الفكرية التحررية التي قلبت موازين التفكير البشري ووجهته إلى البؤر المضيئة في حالك الإنسانية التي ظلت بدائية لوقت طويل. كما لم تغير في وضع البلد خيراتُها الوفيرة من معادن نفيسة و بترول و ثروة سمكية طائلة و أراض صالحة للزراعة على ضفة نهر معطاء و تحت واحات خصبة و ثروة حيوانية هي الأخرى معتبرة، و لم تدفعه حتى قيد أنملة إلى مصاف الدول المجاورة عربية و إفريقية و كلها باستثناء الجزائر أقل موارد و خيرات. هل الوضع بهذه الحال طبيعي، منطقي و مقبول؟ و لأن الإجابة عن السؤال بالنفي القاطع، فأين نجد الجواب الشافي و المبرر المقنع لذلك؟ فهل نجد الجواب في استقراء تحرك “داعش” لبناء دولته الاسلامية المشتهاة في تخوم أرض تبعد عنا آلاف الكلومترات و في قارة غير قارتنا و بمفاهيم تاريخية لا علاقة لنا بها اللهم في وجه لو أنه أثير بشكل صحيح لخلق لنا رابطا مع عديد الشعوب من عرب و من عجم دون أن يؤثر ذلك في صميم خصوصيات البناء و التميز التي تمنعنا بالنتيجة من اتباعها و تبني فكرها والأخذ به؟ أم أننا نجده في الاهتمام المضني بمسيرة الوضع العربي المزري بحثا وتحليلا و دراسة بعيدا عن دراسة و تحليل أوضاعنا التي لا تقل ضعفا؟ أم أننا عن مشاغلنا الجمة و كبواتنا العنيدة و تخلفنا المزمن عن ركب الأمم السائر من حولنا… حقا فكهين؟ و لا شك أننا يقينا إن استطعنا أن نحقق انتصارات على جبهاتنا الداخلية المسلحة أكثر من “داعش” و غيرها بأعتى الأسلحة و أشدها فتكا و أبلغها تدميرا  و التي منها: ·        الفقر المدقع ·        ضعف الغطاء الصحي ·        مشكل العطش المزمن ·        غياب حقول الطاقة ·        ضعف المنظومة التعليمية ·        غياب الوعي بأهمية الزراعة ·        استنزاف الثروة البحرية من أسماك و رخويات و أعشاب غالية و بترول من طرف الأساطيل و الشركات الأجنبية العملاقة في افتقار شديد إلى الطاقات العلمية و الكوادر الفنية و اليد العاملة المتخصصة، ·        غياب مفهوم الدولة في الأذهان و في الممارسة، ·        سوء توزيع القليل العائد من ثروات المعادن الهائلة و البترول المستغلة من طرف الشركات العالمية المختلطة في غياب الكادر البشري الوطني المؤهل لحمايتها و القادر على وضع سياسة استغلالها و آليات الحفاظ على مصالح البلد و محيطه البيئي، ·        تحكم رأس مال ضعيف الأداء، خائر العزيمة، مسدود آفاق الاستثمار و ضعيف التسيير، مكدس بأيدي حفنة من رجال و أطفال و نساء قبائل أقل من عدد أصابع اليدين و بعض الضباط و السياسين النافذين و الوجهاء العشائريين و من أسياد النظام الطبقي في الاثنيات الزنجية و رموز التملق من الشعراء و الغاوين و المتزلفين ، ·        طبقة متعلمة و مثقفة، مسترخية و نائمة على شهادات لا تسمن و لا تغني من جهل مطبق يسد الآفاق و لا من تخلف يفقأ العيون، تتغنى رياء بأمجاد الماضي الإقطاعي، الطبقي و الرجعي السقيم، لا تحرك ساكنا إلا أن تململت لانتقاد الآخر و تسليط السياط على ظهره و لم يرتكب جرما إلا أن قال كلمة حق و نقى ضميره من دنس الصمت و الخنوع و التمالئ، الذي يقف أمام “أناهم” المتضخمة، و من وراء حجب ينظرون و يباركون لذوي الحظوة في مال أصابوه سطوا و نهبا و اختلاسا في غياب الوازعين الديني و الأخلاقي، أوجاه زائف أو مركز منتشل بقوة من جحيم الصراعات السياسية الجائرة، ·        طبقة سياسية مهترئة بلا خطاب وطني شمولي و لا فلسفة تستقي روحها من واقع البلد و خصوصياته، غير قادرة على الحراك الفعال، غير جريئة على تصور الحلول، أكثر توجها في المواقف و التحليل إلى قضايا الأمم الأخرى و همومها دون حياء و لا خجل، تعيل زعاماتها بوافر المال و تنعمها بحسن الحال و الإطراء، ·        شعب غارق إلى الأذنين بهم القوت اليومي العصي و المتآكل بفعل تناقضاته القاتلة الموزعة بين إهانة رواسب الطبقية بطرفيها الفوقي و التحتي، و قساوة صروف دهر مكن رقاب السواد الأعظم من أفراده لسطوة أقوياء تستحي الرحمة من الوقوف على عتبات نفوسهم المغلقة و لغياب وعي وحده القادر على قلب الموازين لصالح الحق و قيام دولة القانون، ·        منظمات حقوقية يتبع أصحابها نهج السمسرة و الحربائية لعائدات مادية ذاتية غير عابئين في العمق و على مدرج الفعل بالآلام التي يسببونها للمظلومين و المحرومين من ممارسة إنسانيتهم و القيام بأدوارهم، ·        مجتمع مدني لا وصف يمكن أن يعبر بدقة عن وضعه السيئ سوى أنه مرآة عاكسة لكل فوضى الواقع المرير لبلد نخبته المفترضة تمتلك كل حانات الفساد التسييري لخيرات عميمة تجود بها حكومات و منظمات الدول المانحة المهتمة بمصائر الأمم، و تدير خمارات الغياب المزمن المتعمد عن بناء الإنسان المواطن و تشييد البلد العادل للجميع، ·        سهولة اختراق جسم الأمة من طرف كل التنظيمات التي تصنع قوتها الضاربة خارج أسوارها بالمال أولا و الوعود بالجاه ثانيا ثم بـ”الأدلجة”، إن جاز التعبير، و ترسيخ مفاهيم “دوغماتية” في الأذهان و تلك اليوم أقل الوسائل إقناعا في زمن طغت فيه المفاهيم و الاعتبارات المادية على ما سواها. و لما أن نجد أنفسنا ذات يوم في وضعية تخولنا اتخاد مواقف أو تمكننا إن دعت الضرورة من الاهتمام و التوجه إلى قضايا من حولنا فلا بد حتما أن يصب ذلك في دائرة البحث و الحفاظ عن مصالح دولتنا و حماية شعبنا و تأمين حاضرنا و ضمان مستقبل أجيالنا. فمتى يدرك سياسيونا و مثقفونا و كل الذين ينتظر منهم أن يكونوا القدوة و المثل أعلى في التنظير لتوجه عملي وطني جديد يوجه البصر إلى أرض الواقع أولا ليرفع القواعد إلى الأعلى ثم ينظر إليها شامخة تعانق عنان السماء و تنشد الطير إلى الاسترخاء في جنبات جنانها و ينعم بظلال أشجارها الوافرة و يطعم من ثمارها اليانعة؟ و إن هذه ليست أمان ملقاة جزافا و إنما رجاء طاهر ملح و نداء صادق مدوي لتسمعه كل الآذان و تعيه كل العقول و أولها آذان و عقول المثقفين و السياسيين و أصحاب القرار.. فهل من مجيب؟

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: